يهمنا رأيك

زائرنا الكريم، زيارتك تشرفنا، وتعليقك على المحتوى يسعدنا، فأيا كان رأيك، متفقا معنا أو مختلف، فنحن نرحب به ونضعه نصب أعيننا، طالما كان بعيدا عن السب والتجريح
**مجدي داود**

الأربعاء، 27 يناير، 2010

تركيا حين تصنع من نفسها قوة فى المنطقة

http://qawim.net/index.php?option=com_content&task=view&id=6351&Itemid=1

منذ أن فاز حزب العدالة والتنمية بالإنتخابات البرلمانية التركية فى عام 2002 وتولى عبدالله جول رئاسة الوزراء ثم تنازله عنها ليحل محله صديقه رجب طيب أردوغان , وتركيا تحاول جاهدة أن تصنع لنفسها مكانة فى منطقة الشرق الأوسط , وأن تصبح لاعبا رئيسيا فيه , وأن تصبح دولة قوية لها دور فعال وتأثير قوى مشاهد فى المنطقة , وقد ازدادت هذه الرغبة بعد فوز حزب العدالة والتنمية بالإنتخابات البرلمانية الأخيرة , وتولى عبدالله جول رئاسة الدولة التركية , فجول وأردوغان يريدان استحضار أمجاد الدولة العثمانية من جديد ولكن ليس فى شكل خلافة , ولكن فى شكل دولة قوية تقف مواقف جريئة واضحة فى خدمة الأمة الإسلامية .
 
فتركيا حزب العدالة والتنمية قد وضعت قدمها فى كثير من قضايا المنطقة , وأصبحت لاعبا لا يمكن تجاهله فى هذه القضايا , ومن أهمها القضية الفلسطينية والتى تعتبر الإهتمام التركى الأول فى المنطقة , وكذلك ملف ( السلام ) بين سوريا والكيان الصهيونى , بالإضافة من الملفين الإيرانى والعراقى .
 
فمن خلال الخلفية الإسلامية للرئيس التركى عبدالله جول ورئيس وزرائه ترتبط تركيا بعلاقات قوية مع حركة المقاومة الإسلامية حماس التى فازت فى انتخابات تشريعية نزيهة , وهناك توافق فى وجهات النظر بين تركيا وحماس خاصة فيما يتعلق بأهمية رفع الحصار المفروض على قطاع غزة وحركة حماس باعتبارها ممثلا شرعيا للشعب الفلسطينى ويجب التعامل معها من هذا المنطلق .
 
ومن خلال هذه الرؤية التركية لصعوبة الحياة فى ظل الحصار الإسرئيلى لقطاع غزة فإن تركيا قامت بمجموعة من الخطوات واتخذت مجموعة من القرارات التى أظهرت من خلالها وقوفها بجانب الشعب الفلسطينى , فعندما قامت الحرب الصهيونية على قطاع غزة قبل عام من الآن , قامت تركيا بانتقاد الكيان الصهيونى نقدا لاذعا ومهاجمته سياسيا , واتهمته بانتهاك حقوق الإنسان , وارتكاب جرائم بحق الشعب الفلسطينى فى القطاع , وقد توج هذا الموقف بانسحاب رئيس الوزراء التركى من مؤتمر دافوس الإقتصادى , حينما انتقد الحضور لتصفيقهم للرئيس الصهيونى شمعون بيريز وقال لهم ما معناه ( أتصفقون له وهو يقتل الأطفال ؟! ) ورفض الأسلوب الذى عامله به منسق المؤتمر حيث لم يعطه وقتا كافيا للرد .
 
ليس هذا فحسب بل إن تركيا تولى اهتماما كبيرا لقوافل المساعدات التى تذهب إلى قطاع غزة , وقد كان موقفها من قافلة شريان الحياة 3 حيث دعمتها وساندتها حتى تم إدخالها إلى قطاع غزة خير دليل على بروز تركيا كقوة مؤثرة فعليا فى القضية الفلسطينية , قد يعول عليها لاحقا فى خلق دعم سياسى ودبلوماسى لتلك القضية .
 
وكذلك فمن أهم القضايا التى تعتبر تركيا لاعبا أساسيا فيها هى ملف ( السلام ) بين سوريا والكيان الصهيونى حيث كانت تركيا ولا تزال هى الوسيط الوحيد بين الطرفين , ويوجد إصرار سورى على أن يبقى الملف بيد تركيا دون غيرها , وفى ظل حالة التوتر بين تركيا والكيان الصهيونى تعطل ملف الوساطة فى إشارة تركية أنها لن تفعل وساطتها فى ظل حالة الغطرسة الصهيونية وانتهاكها لكل القيم والقوانين والإتفاقيات , هذا فى ظل حالة من التقارب السياسى والإقتصادى بين سوريا وتركيا .
 
وعن الملف النووى الإيرانى فإن تركيا تؤكد بين فينة وأخرى على حق إيران فى امتلاك تكنولوجيا نووية للأغراض السلمية , فى حين أنها تشير وبوضوح إلى المقارنة بين الملف النووى الإيرانى والترسانة العسكرية الصهيونية التى يخشى الكثيرون من التحدث عنها وكان آخرها فى 12/1/2010.
 
أما عن علاقة تركيا مع الكيان الصهيونى , تلك العلاقة الشائكة , التى تختلف فيها المواقف السياسية التركية عن العسكرية , ففى حين هناك علاقات عسكرية وثيقة بين البلدين إلا أن السياسة التركية بدأت باتخاذ العديد من الخطوات الهامة لتقليص هذا التعاون من خلال مواقف سياسية جريئة وأهمها بالطبع الموقف التركى من القضية الفلسطينية ووقوفها الصريح المعلن مع الشعب الفلسطينى ودعوتها بل وتحركها لمساعدته وكسر الحصار المفروض عليه ووقف الجرائم التى يرتكبها الكيان الصهيونى بحقه .
 
إن الموقف التركى الأخير الذى وصف بالقوة تجاه المحاولة الصهيونية لإهانة السفير التركى بتل أبيب على خلفية مسلسل وادى الذئاب الذى يتعرض للجرائم الصهيونية بحق الشعب الفلسطينى بالإضافة إلى المواقف السياسية التركية , ثم رضوخ الكيان الصهيونى وتقديمه اعتذار رسمى مكتوب من حكومته وعدم قبول أنقرة إعتذارا شفويا من نائب وزير الخارجية الصهيونى , يدل على أن تركيا صارت من القوة السياسية بمكانة لا يمكن للكيان الصهيونى إغفالها أو تجاوزها , وأنه بحاجة إلى العلاقات مع تركيا , فى حين أن هذه الإهانة لو كانت وجهت لطرف عربى لم يكن ليحدث شئ على الإطلاق بل إن الكيان الصهيونى ليقوم باغتيال بعض الجنود المصريين على الحدود بدم بارد دون أن يلقى أي رد فعل .
 
إن هذه الثقة التركية فى قدرتها على التعامل بحزم وقوة تجاه الإهانة الصهيونية إنما هو نابع من إيمانهم بأنهم قوة لا يستهان بها ولا يمكن تجاهلها , وأنها قادرة حقا على رد الإهانة وزيادة , بل إن تحديد الرئيس التركى عبدالله جول مدة 48 ساعة لتقديم الإعتذار أو يكون الرد التركى أشد مما يتخيله الصهاينة إنما يدل على أنها تملك من الإمكانات ما يمكنها من الرد بقوة وبسرعة دون خشية من أحد أو خوف من العواقب , وأن تركيا لن تقبل الإهانة من أى طرف كان حتى لو قطعت علاقتها مع هذا الطرف أو ذاك .
 
ونرى نجاح السياسة التركية فى فصل علاقتها مع الكيان الصهيونى عن علاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية , فإذا تأثرت علاقة تركيا بالكيان الغاصب لا يعنى ذلك بالضرورة تأثر علاقتها مع الولايات المتحدة , على خلاف ما يردده الساسة العرب من أن توتر العلاقات مع ذلك الكيان اللقيط يعنى بالضرورة توترها مع الولايات المتحدة , ذلك لأنهم جعلوا العلاقة مع كل من الكيانين علاقة واحدة , وهذا من مساوئ وطوام السياسة الخارجية للدول العربية .
 
إن هذا الدور الذى تلعبه تركيا وهذه المكانة التى وصلت إليها لا يمكن فصلها عن الجذور الإسلامية لحزب العدالة والتنمية , فتركيا تشعر أنه يمكن لها أن تقوم بدور هام فى المنطقة ولكن ليس ككونها دولة الخلافة ولكن كونها دولة قوية لها وجود حقيقى ومكانة لا يمكن تجاهلها , ويعتبر توجه تركيا نحو العمق العربى والإسلامى خير استغلال لموقعها الجغرافى والسياسى , فهى تقع على أطراف آسيا وأوروبا ولها علاقات مع الدول العربية والإسلامية والأسيوية والأوروبية فلما لا تستغل كل هذه الظروف استغلالا حسنا ؟!.
 
كما لا يمكن فصل هذه الرغبة التركية فى أن تصبح دولة مؤثرة إقليميا ودوليا , عن رغبتها فى الإنضمام للإتحاد الأوروبى , فهى بهذه المكانة والقوة ترسل رسالة إلى الإتحاد الأوروبى مفادها أن دول الإتحاد الأوروبى ستستفيد من إنضمام تركيا للإتحاد الإوروبى مثلما ستستفيد هى من الإنضمام له, وبهذا تكون العلاقة عبارة عن مصالح مشتركة وليس منا ولا إحسانا من دول الإتحاد الأوروبى على تركيا , وهذا من شأنه التيسير على تركيا فى معركتها المؤجلة للإنضمام للإتحاد الأوروبى .
 
* كاتب مصري إسلامي.
 
"حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر"
 



الأربعاء، 20 يناير، 2010

عام على العدوان على غزة

 
مر عام على الحرب الصهيونية على قطاع غزة , حرب هى الأبشع والأكثر ضراوة وقوة وإرهابا منذ قيام دولة الكيان الصهيونى عام 1948 , إن مرور عام على هذا العدوان الغاشم يستلزم منا أن نقف وقفة نراجع فيها أنفسنا ونقيم فيها واقعنا , ونرى هل استفدنا من هذه الحرب ومن أحداثها , أم أنها مرت علينا مرور الكرام ولم نستطع أن نوظف أحداثها فى خلق دعم جديد للقضية الفلسطينية سواء على المستوى السياسى أو الإنسانى .
 
فى ذكرى الحرب الصهيونية على قطاع غزة نرى ما الذى طرأ على الساحة الدولية والعربية والفلسطينية بعد انتهاء هذه الحرب , ونرى هل كان الكيان الصهيونى أكثر استفادة من وقائع هذه الحرب على المستوى السياسى والدولى , أم أن هناك نتائج وتطورات على المستويين السياسى والدولى والحقوقى أيضا فى صالح الشعب الفلسطينى ؟!
 
لقد حاول العدو الصهيونى أن يحقق بالخديعة والمؤامرة مالم يستطع تحقيقه باثنين وعشرين يوما من العدوان المستمر , ففي مؤتمر شوم الشيخ الذى عقد لبحث موضوع إعادة إعمار قطاع غزة , ربط المؤتمر وجل أعضاؤه من حلفاء الكيان الصهيونى إيصال هذه الأموال المقدمة للإعمار بالسلطة الفلسطينية , فى محاولة للضغط على قوى المقاومة بالقبول بعودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة والرضوخ لمطالب هذه الدول التى تتلخص فى شروط ما يسمى الرباعية الدولية , ولكن كانت المقاومة بفصائلها والتفاف الشعب حولها تدرك المغزى من هذه الخديع فرفضت هذا الأمر جملة وتفصيلا وعاد العدو يجر أذيال الخيبة مرة أخرى .
 
أما عن الشعب الفلسطينى وفصائل المقاومة فالواضح أنهم استفادوا من وقائع هذه الحرب خير استفادة , فبينما كانت الحرب لا تزال مشتعلة كانت وسائل الإعلام والإعلاميين الفلسطينيين والعرب والأحرار فى العالم كله يقومون بدورهم فى تسجيل وتوثيق جرائم العدو الصهيونى , وأخص بالذكر قناتى القدس والأقصى , وقناة الجزيرة القطرية , فهذه القنوات الثلاثة كانت تتابع الحرب وتنقل أخبارها لحظة بلحظة , وهذا لم يكن ليحدث لولا تعاون الشعب الفلسطينى وكذلك فصائل المقاومة مع وسائل الإعلام وإدراكهم لأهمية الإعلام فى توجيه الناس وخلق الأراء , فهذه الصور الحية التى تم تصويرها وبثها خلقت رأيا عاما عربيا ودوليا بأن الكيان الصهيونى ما هو إلا مجموعة من المجرمين القتلة , وهذا جعل الكثير من الأوروبيين يتعاطفون مع الشعب الفلسطينى , وهو الأمر الذى ظهرت نتائجه فى قوافل المساعدات التى توالت على القطاع المحاصر .
 
كما أن من النتائج والتطورات الدولية الإيجابية لأحداث هذه الحرب هو تقرير حولدستون , ورغم أن هذا التقرير لم نر له أية نتائج دولية ولم تتخذ بعد أية إجراءات عقابية ضد الكيان الصهيونى , وفى الغالب لن يكون له نتائج مهمة , إلا أنه سلط الضوء بشكل جزئى على جرائم الإحتلال الصهيونى بحق أهل غزة , وهو أمر لم يكن موجودا من قبل , إلا أنه لم يدن الإحتلال بالشكل الكافى , فى حين أنه أدان حركات المقاومة بألفاظ صريحة وقال بأنه السبب فى هذه الجرائم لأنهم قاتلوا بجوار المدنيين , إلا أنه سيجعل الكيان الصهيونى يفكر كثيرا قبل القيام بأية حماقة وارتكاب جرائم ضد الفلسطينيين لأن كل الأعين حينئذ ستكون موجهة إلى ذلك العدو وما يقوم به من أفعال وجرائم , وهذا يعد مكسبا عظيما للقضية الفلسطينية , ولهذا حاول الكيان الصهيونى جاهدا وبكل السبل إلإجهاز على هذا التقرير ولكنه لم يستطع , كما صدرت عدة تقارير حقوقية غربية تتهم الكيان الصهيونى باستخدام الفوسفور الأبيض المحرم دوليا , وأشار بعضها إلى أن هذا الأمر سيكون سببا فى ولادة أطفال مشوهين بصورة كبيرة , وأن تربة قطاع غزة باتت مليئة بالكثير من السموم .
 
وبعد صدور تقرير جولدستون أصدرت محكمة بريطانية قرارا باعتقال وزيرة الخارجية الصهيونية السابقة تسيبى ليفنى فور دخولها بريطانيا بتهمة ارتكابها جرائم حرب ضد الشعب الفلسطينى , بينما هناك محولات لإصدار قرارات مماثلة بحق قادة آخرين بنفس التهمة , وهو ما دفع قادة الإحتلال الصهيونى إلى تحذير كبار قادة الجيش من مغبة السفر إلى بعض الدول الأوروبية خشية الإعتقال .
 
وقد حاولت الحكومة البريطانية إرضاء الكيان الصهيونى بتغيير القانون البريطانى بحيث لا يمكن اعتقال مجرمى الحرب الصهاينة , لكن لم تتمكن الحكومة البريطانية من ذلك ويعد هذا الأمر من أهم التطورات التى حدثت على الساحة العالمية نتيجة العدوان على غزة , حيث أن هذا الأمر يجعل صورة الكيان الصهيونى فى أبشع حالاتها أمام دول العالم المعروفة بصداقتها للكيان الصهيونى , خاصة إذا صدر هذا الأمر من بريطانيا التى كانت سببا فى خلق هذا الكيان فى أرض فلسطين من خلال وعد بلفور عام 1917م .
 
وكان من أهم النتائج المترتبة على حرب غزة هو توتر وتدهور علاقات الكيان الصهيونى ببعض دول العالم المعروفة بصداقتها القوية مع الكيان الصهيونى , وليس أدل من ذلك من العلاقة المتوترة بين الكيان الصهيونى وتركيا التى وصلت إلى حد انسحاب رئيس الوزراء التركى رجب طيب أردوغان من منتدى دافوس الإقتصادى العام الماضى , وكانت آخر حلقات التدهور فى تلك العلاقة ما حدث قبل أيام من إهانة للسفير التركى فى تل أبيب ورد الفعل القوى من جانب تركيا وتهديدها بسحب السفير إذ لم يقدم اعتذار رسمى .
 
كل هذه الأمور تجعل الرأى العام الدولى غير متقبل لفكرة قيام حرب صهيونية على قطاع غزة فى المدى القريب , وأن ثمة ضغط كبير سيببه هذا الرأى العام على حكومات الدول الغربية مما يلقى بظلاله على الكيان الصهيونى , وأن الحرب القادمة ستكون الأعين مسلطة عليها بصورة مخيفة للكيان الصهيونى .
 
لم يكن الكيان الصهيونى يهتم كثيرا فى السابق برد فعل الشعوب الغربية , ولكن الأمر الآن يختلف , لأن هناك جرائم موثقة , وتقارير أممية مصدق عليها , والأهم من ذلك هناك قرارات اعتقال بحق قادة كبار فى الكيان الصهيونى , كل هذا يجبر الكيان الصهيونى على تفادى إغضاب الرأى العام الغربى حتى لا يجنى حصادا مرا .
 
* كاتب مصري.
 
"حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر"
 



الخميس، 14 يناير، 2010

عبد الله النديم فارس الكلمة وقائد الثورة

 
إن تاريخنا حافل بتاريخ الرجال الذين عاشوا وماتوا وما ضعفوا وما استكانوا، عاشوا مجاهدين يحملون أكفانهم على أيديهم ويسيرون نحو العدو بقلوب مخلصة ونوايا صادقة، وماتوا شهداء أو بقوا رجالا في ثبات شديد لم ينل منهم الضعف والذل، ولم يكن لهما منهم نصيب، ولم تغيرهم الأيام والسنون بل هم الذين صنعوا تاريخا مجيدا وتراثا مشرفا .
 
من هؤلاء عبدالله بن مصباح بن إبراهيم الإدريسى الشهير بعبدالله النديم الذى كان مولده يوم عيد الأضحى المبارك عام 1261هـ، 1845 م بمدينة الإسكندرية بشمال مصر (انظر:عبدالله النديم خطيب الثورة العربية ص 33).
 
وهو من السادة الأشراف من نسل الإمام الحسن بن على بن أبى طالب رضى الله عنهما (انظر عبدالله النديم خطيب الوطنية ص 18)
 
 وقد حفظ الشيخ القرآن الكريم فى الكتاب وهو فى التاسعة من عمره، وقد اشتهر الشيخ فى طفولته بذكائه وعلو همته ونبوغه .
 
ولست هنا بصدد سرد السيرة الذاتية لعبدالله النديم رحمه الله، بل هى محاولة للإستفادة من حياته وتجاربه عن طريق تسليط الضوء على بعض مواقفه وأفعاله البطولية ومحاولة اسقاطها على الواقع الذى نعيشه، وتطبيق ما يمكننا تطبيقه مع مراعاة اختلاف الظروف والأحوال .
 
لقد كان النديم يكتب فى صحيفة مصر وكذلك فى صحيفة التجارة التى كان يصدرها أتباع الشيخ جمال الدين الأفغانى وكانت مقالاته تحث الناس على التغيير والثورة على هذه الأوضاع الفاسدة التى يعيشونها ويسلحهم بالوعى والمعرفة لمآلات الأمور إن استمر الحال على ما هو عليه دون تغيير .
 
وكان يركز على النفوذ الأجنبى واستبداد الخديوات بالحكم وقهرهم الناس، وإغراق البلاد بالديون الكثيرة، وكان رجل عذب الكلام فصيح اللسان يقرأ له كثير من الناس، وبعد أن أوقفت هذه الصحف قام هو بإنشاء صحف وكان يديرها ومن أشهرها صحيفة التنكيت والتبكيت، وكان يستغل هذه الصحف أيضا فى توعية الناس مع علمه أن الخديوى اسماعيل ومن بعده توفيق لا يألون جهدا فى النيل ممن يتحدث عنهم وينتقدهم .
 
وهنا لنا وقفة، فكثير ممن لديهم موهبة الكتابة اليوم لا تراهم يكتبون، ولا تراهم يتحركون من أجل إيصال ما لديهم من فكر إلى الناس، ولو علم هؤلاء أهمية هذه الكلمات التى يستهينون بها والتى يعتبرونها من الأمور التافهة لما تأخروا فى التقدم لها، وإذا كتبوا تراهم لا يكتبون إلا ما يذهب بالأمة نحو التخلف والإنهيار، ويدعى أن هذه مدنية وتقدمية وأن ما سوى ذلك رجعية وتخلف، تراه لا يذكر هموم الناس ولا يتحدث عنها وإذا ذكرتها عنده راح ينظر للأفكار الضالة من علمانية وليبرالية وغيرها، وإذا ذكرت عنده قضايا الأمة راح يكتب عن الإرهاب والسلام، فكان سكوته حينئذ خير من كلامه، فما تكلم إلا بشر .
 
وهناك من إذا ذكرت عنده النفوذ الأجنبى تجده يحاول أن يبرر هذا الأمر بحجة أنهم الأقوى وأنهم إن يتدخلوا فى أمورنا خير من أن يقوموا باحتلال أرضنا، وكأننا إما أن نوافق على أن يتحكموا فى كل شؤوننا أو يحتلوا أرضنا، فهؤلاء كتاب وذاك كاتب، ولكن شتان شتان بين كاتب وكاتب .
 
وهناك من إذا قلت له بلدك محتلة فادع الناس إلى مساعدة المجاهدين تراه يثبط ويحبط، وتراه يتهرب من المسؤولية، بل تجد البعض يحمل سكينا حادا ويضعه على رقاب المجاهدين متهما إياهم أنهم السبب فى سفك الدماء وتدمير البيوت، فهؤلاء أحيانا بل غالبا يكونون ملكيين أكثر من الملك .
 
ومنه أيضا نستنتج أنه على المجاهد والمقاوم أن يبحث عن كل سبيل وكل طريق لينشر به فكره بين الناس، ولكى يعرف الناس أهدافه واستيراتيجيته، ولكى يدعو الناس للإلتفاف حوله ودعمه ومساندته، فالإعلامى المجاهد يكتب فى الصحف، ويشارك فى البرامج الحوارية والمؤتمرات والندوات، بل ويبث الفضائيات ومواقع الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) فلا يدع طريقا إلا سلكه، ولا سبيلا إلا سار فيه، ولا يستهن بالإعلام وقدرته على التأثير فى الناس .
 
تولى الخديو توفيق حكم مصر بدلا من أبيه اسماعيل وكان توفيق يتودد للشعب ولحزب الإصلاح الذى كان يرأسه جمال الدين الأفغانى، ولكن بعد أن تولى الحكم تمكن منه القنصلان البريطانى والفرنسى فصار لا يقطع أمرا بدونهما بل صارا هم كأنهما الحاكم الحقيقى لمصر، فقبض توفيق على الأفغانى ونفاه خارج البلاد وأغلق صحفه، فتفرق أنصاره ولكن النديم لم يهرب ورأى أن البلاد قد صارت أسيرة فى يد الأجانب، فراح يصرخ بأعلى صوته، وأقام المحافل الخطابية فى الإسكندرية وانتقد فيها نظام الحكم بأسلوبه الأدبى البسيط الذى يفهمه العوام، وأنشأ مع بعض أنصار الأفغانى صحيفتى (المحروسة والعهد الجديد) .
 
هكذا يجب أن يكون دور المثقف الذى أوتى من حسن الكلام ما أوتى، فبدلا من أن يهرب من مواجهة الأمور كما قد يهرب البعض تاركا الساحة خالية لدعاة الفساد والإفساد، وتاركا الدولة كلها فريسة فى يد الأجانب، يقف هو فى هذا التغلغل الأجنبى ويجتهد فى منعه من السيطرة على البلاد وعلى الحكم فيها، وكذلك على ثرواتها ومقدراتها، حتى وإن لاقى فى سبيل ذلك ما يلاقيه .
 
شارك النديم فى ثورة الجيش المصرى وهو أول من انضم إلى التشكيلات العسكرية من المدنيين واختاره زعيم الثورة أحمد عرابى مستشارا مدنيا له، سخر عبدالله النديم صحفه التى يديره للحديث عن الأوضاع الفاسدة وعن النفوذ الأجنبى وراح ينتقد وبشدة هذه المرة الخديو توفيق ورياض باشا رئيس الوزارة وفى هذا يقول النديم (وأعلنت حب العسكر والتعويل عليهم، وناديت بانضمام الجموع إليهم، وأوغلت فى البلاد ونددت بالإستبداد، وتوسعت فى الكلام، وبينت مثالب الحكام الظلام، لا أعرفهم إلا بالجهلة الأسافل، ولا أبالى بهم وهم ملء المحافل) (انظر تاريخ مصر ص 56).
 
وقد هم رياض باشا بنفى النديم خارج البلاد وأصدر مرسوما بذلك وأرسله للخديو لإقراره، ولكنه فشل فى مسعاه إذ تصدى لذلك بعض قادة الجيش المصرى .
 
ليس هذا فحسب بل إن النديم كان يقوم بتشكيل التجمعات الشعبية المناصرة للثورة وكان هو حلقة الوصل بين قادة الثورة العسكريين وتلك الجماهير المدنية العريضة، وعمل على جمع التوقيعات الشعبية التى تنيب أحمد عرابى لكى يمثل الشعب المصرى أمام الخديو توفيق حاكم مصر وقتئذ، والنديم الذى زار القرى والنجوع والكفور وراح يخطب بأعلى صوته، مستخدما فى ذلك موهبة الخطابة الفذة التى وهبه الله إياها، وقد اشتهر بين الناس من قبل بكلامه الحسن وخطبه الرنانة فكان لا ينزل بلدا إلا التف حوله الناس واستمعوا إلى خطبه وأحاديثه .
 
وهنا يجب أن نتعلم أن الجهاد ليس فقط فى ميدان المعركة، بل يكون الجهاد بالكلمة والدعوة والمال، فإن خطبة صادقة تخرج من قلب صادق تكون ذات تأثير فعال، وإن حث الناس على التمسك بالجهاد والقتال فى سبيل الله هو من الجهاد، لذا فإن العدو يحاول جاهدا أن يكمم الأفواه وأن يخرس كل صوت يطالب بدعم المقاومة وينظر لها .
 
لم تكن ثورة الجيش المصرى مجرد تمرد غير مبرر على حاكم البلاد الخديو توفيق، ولكن كان لهذه الثورة العديد من الأسباب من أهمها كثرة الديون ونهب ثروات البلاد، وزيادة النفوذ الأجنيى فى مصر، وخسارة الجيش المصرى فى حرب الحبشة وتفضيل الضباط الجراكسة على أمثالهم ونظرائهم من المصريين، وكثير من الأسباب الأخرى لا مجال هنا لذكرها، ولهذا رأى النديم فى تحرك الجيش المصرى وثورته أملا فى تغيير الواقع المر الذى تعيشه البلاد .
 
إن التحالف بين رجال الجيش ورجال الفكر إذا كان مستندا إلى مصالح البلاد دون المصالح الشخصية والفئوية الضيقة هو أمر طبيعى، بل هو الواجب أن يكون، لأن رجال الفكر هم الذين ينبهون الشعوب ويعرفونهم بما يريده رجال الجيش وبدون رجال الفكر لن يستطيع الجيش إيصال هدفه للناس والحصول على الدعم الشعبى لمطالبه، أما إذا كان التحالف يستند إلى مصالح شخصية فسوف يقود الدولة أو الأمة إلى مزيد من الفساد والتخلف، وسيطرة المستعمر على البلاد .
 
بعد أن اطمأن الأميرالاى أحمد عرابى إلى مناصرة الشعب له وبعد أن جمع النديم توقيعات كثيرة جدا من الشعب المصرى تفوض أحمد عرابى بالتحدث باسمه، زحف عرابى إلى قصر عابدين فى 9/9/1881 فى مظاهرة عسكرية مهيبة وكان النديم هو المدنى الوحيد الذى حضر هذا اللقاء وكان دوره هنا هو أن يحمى رجال الجيش من أن تضعف عزائمهم أو تثبط هممهم، ويقول أحمد عرابى نفسه عن هذا اليوم ( واشتدت شوكة جيش البغى وقويت معارضته، هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا، فجال صديقى الأعز الهمام صاحب الغيرة والعزم القوى السيد عبدالله نديم بين الصفوف ينادى { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ }[ الحجرات / 9 ]، فكان معى ثانى اثنين فى حفظ قلوب الرجال من الزيغ والإرتجاف، وأخذ الكل يردد هذه الآية الكريمة، كأنهم لم يسمعوها إلا من فمه فى تلك الساعة) (أحمد عرابى : كشف الستار عن سر الأسرار ص 266-267)
 
لم يجد الخديو توفيق بد من الإستجابة لمطالب الثوار من الجيش خاصة أن الجيش بدا متماسكا ومن يقود هذه الثورة هو أحد الفلاحين الذى يحظى بثقة الجميع، واستقرت الأمور فى مصر بعض الشئ، لكن ذلك الإستقرار وتلك الحرية التى بدأ المجتمع المصرى يعيش بداياتها لم ترق للأجانب خاصة فرنسا وانجلترا، لأن مصالحهم فى مصر قائمة على الظلم والنهب وهذا لن يكون مسموحا به فى ظل وجود جيش حر قوى وشعب عالم بأمور السياسة، فما أن وافق الخديو على مطالب عرابى حتى خرج عرابى والنديم وطافوا البلاد شرقا غربا يحدثون الناس عن الحرية، ويحذرونهم من التدخل الأجنبى والسكوت عنه، ويحدثونهم عن الميزانية ومراقبة الحكومة وفى هذا تقول صحيفة التايمز البريطانية نقلا عن أحد مراسليها فى القاهرة ( قال لى صديق يعرف اللغة العربية جيدا أنه فى صباح يوم واحد عد فى السوق 27 مجموعة من الناس يتحدثون عن الميزانية أو الوزارة أو التدخل الأجنبى ) (التايمز 10/3/1882)
 
إن هذه الصحوة التى عاشها المجتمع المصرى لفترة وجيزة من الزمن كانت بفعل نشاط رجال الفكر وعلى رأسهم عبدالله النديم، الذى لم يكن يترك فرصة للحديث إلا ويتحدث عن مشاكل الأمة وأمور البلاد، لم يكن يعرف حدا يجب أن يتوقف عنده، لم يكن يدعى أن أمور السياسة لا يفهمها إلا الساسة وأن على الناس أن يطيعوا ساستهم حتى ولو باعوا الوطن للأعداء، لم يكن ليرى الأجانب يتحكموا فى ميزانيات الدولة ويسكت، بل حدث الناس، وأخبرهم وعلمهم حتى صاروا هم الذين يتحدثون فى هذه الأمور التى يخجل البعض اليوم من التحدث عنها .
 
عندما وصل الأسطول الإنجليزى وبعده الأسطول الفرنسى إلى مدينة الإسكندرية، أصدر الإنجليز مذكرة إلى الخديو توفيق بنفى الزعيم أحمد عرابى وكان وزيرا للحربية حينئذ خارج البلاد وتحديد أقامة زملاءه وإقالة وزارة محمود سامى البارودى فقبلها الخديو توفيق، فثارت ثائرة الشعب المصرى فما كان من النديم الرجل المفكر فارس القلم والكلمة إلا أن وقف يخطب الناس يحثهم على التمسك بقيادة الجيش والثورة والألتفاف حولهم، ليس هذا فحسب بل لقد ذهب إلى مدينة الإسكندرية حيث يقف الإنجليز على بعد كيلومترات قليلة منه وخطب فى عشرة آلاف رجل يحث الناس على التمسك برفض مذكرة الإنجليز، بل طعن فى وطنية الخديو توفيق وفى أهليته وكفاءته للحكم وكان من نتاج هذه الحملة الشعبية الكبيرة التى قادها النديم عبر خطبه الرنانة ومقالاته ومعه أمثاله من أهل الفكر أن أعيد أحمد عرابى إلى منصبه وزيرا للحربية .
 
إن موقف النديم من الخديو توفيق هو موقف شجاع من رجل لا يعرف المهادنة، بل هو الموقف الطبيعى فى مثل هذه الظروف، ففى وقت تكون فيه البلاد معرضة للعدوان من الأعداء فيقف الحاكم مع العدو لا يكون للعلماء والمفكرين السكوت ولا الرضوخ، ولا المداهنة بل عليهم حينئذ أن يكونوا هم طليعة الأمة كلها فى رفض هذا التحالف والوقوف ضده وإفشاله مهما كلف الأمر ومهما كانت العواقب لأنها وإن عظمت فلن تكون أعظم من أن تسلم البلاد للعدو يفعل فيها ما يشاء .
 
فى تلك الأثناء حاول بعض الخبثاء تعكير الأجواء بين الشعبين المسلمين المصرى والسورى، فهاجمت أحدى الصحف المصرية السوريين واتهمتهم بممالأة أعداء الأمة، فما كان من إحدى الصحف السورية إلا أن ردت بالمثل، فقام النديم وهو المفكر الكبير الخبير بما يحاك للأمة بكتابة مقال حمل اسم (المصريون والشاميون) (الطائف 21/6/1882) نادى فيه بالوحدة وعدم الوقوع فى فخ الإنقسام ونشر مقاله فى كل الصحف، فكان له الفضل فى انتهاء الأزمة .
 
وهنا درس لعلماء الأمة ومفكريها الكبار ألا ينجروا وراء دعوى الوطنية الكاذبة، وألا يصطف كل عالم مع حاكمه ضد الدول الإسلامية الأخرى، بل عليهم إن هم وجدوا بوادر أزمة وشقاق أن يكون لهم السبق فى العمل على إنهاء الأزمة والخروج منها وتوحيد الصف، لكننا اليوم نرى أشياء عجاب، نرى العلماء والمفكرين هم الذين يزيدون الشقاق ويكثرون الخلاف بين أقطار الأمة .
 
فى تلك الأثناء كان الإنجليز يتعلون الأزمات فى مدينة الإسكندرية ويوقعون بين المصريين والأجانب حتى حدثت مجزرة بين الجانبين، هنالك اتخذها الإنجليز حجة فضربوا المدينة، ولأن الجيش لم يكن على استعداد للمعركة فقد سقطت الإسكندرية بسرعة رغم وقوف الشعب كله خلف الجيش لكن كانت إمكانيات العدو أضعاف أضعاف ما لدى الجيش المصرى ورمى الخديو توفيق نفسه فى أحضان الإنجليز، وحينما وصل الخبر إلى النديم هرع إلى الإسكندرية فرآها محترقة ليس فيها أحد من أهلها فقد أخلوها، واجتمع النديم مع أحمد عرابى ومحمود سامى البارودى وقرروا مواصلة القتال من مدينة كفر الدوار .
 
حينئذ بدأ النديم مهمته الكبرى التى برز فيها كقائد الثورة الحقيقى، فكان يجوب البلاد شرقا وغربا يدعو الناس إلى دعم الجيش، ويحثهم على قتال الإنجليز، ويحدثهم عن الجهاد وفضله وفضل القائمين عليه، ويحذرهم من القعود الجهاد لما له من عواقب وخيمة، فكان مما قال (يا بنى مصر ... هذه أيام النزال، هذه أيام النضال، هذه أيام الذود عن الحياض، هذه أيام الذب عن الأعراض، هذه أيام يمتطى فيها بنى مصر صهوات الحماسة وغوارب الشجاعة ومتون الإقدام لمحاربة عدو مصر، لا بل عدو العرب، لا بل عدو الإسلام ...) (الطائف 28/7/1882)، وقد أعلن النديم بعد سقوط الإسكندرية الحرب على الخديو توفيق فما كان يترك فرصة إلا وينال منه ويحرض الناس عليه .
 
هذه الكلمات وغيرها أشعلت غيرة المصريين فالتف الشعب حول الجيش وكانت الناس تقدم للجيش كل ما يمكنم تقديمه، ثم بعد ذلك التحق النديم بقوات الجيش ليكون مع قائده أحمد عرابى ليتشاوروا فى كيفية ملاقاة العدو، وكان يراسل صحيفته بأخبار الحرب الدائرة حتى صارت صحيفته هى الصحيفة الرسمية للمعركة .
 
وقد أشعل الإنجليز حربا أخرى بجوار الحرب العسكرية المشتعلة، ألا وهى حرب الأعصاب فقد أصدروا بينا يؤكدون فيه أنهم ليسوا أعداء الشعب المصرى، وإنما هم نواب الخديو جاؤوا فقط لمساعدته على تمرد أحمد عرابى ومتى أعادوا للخديو حقوقه المسلوبة وقبضوا على عرابى خرجوا من البلاد .
 
هنالك انتبه النديم إلى خطورة هذا الأمر فلم يترك الإنجليز يصلون إلى مرادهم بالخبث والخديعة، بل أعلن حربا عليهم، وراح يصفهم بأبشع الأوصاف وويصورهم للناس فى أقذر صور، وراح يثير ضدهم الشائعات، فزادت النفوس اشتعالا وحقدا للإنجليز وللخديو الذى يساعدهم .
 
أى رجل هذا الذى يفعل كل هذه الأشياء ؟!، بل أى مفكر يقف هذه المواقف ؟!، هل نجد فى زماننا هذا علماء ومفكرين يدركون ما يحاك للأمة من أخطار ومكائد ؟!، هل نجد فى زماننا يكشف للناس خطط الأعداء ويحذرهم من الوقوع فى شركهم ؟!، إن علماءنا اليوم أبعد ما يكونوا عن واقع الأمة وآلامها.
 
ولكن مع كل هذا قدر الله أن يهزم الجيش المصرى بسبب الخيانة، وأن يسيطر الإنجليز على البلاد، فقبض على الزعيم أحمد عرابى والبارودى ونفوا خارج البلاد ولكنهم لم يستطيعوا القبض على النديم فاختفى النديم فى الريف المصرى، وكانت الحكومة قد أعلنت عن مكافأة قدرها ألف جنيه مصرى لمن يدلهم على مكان النديم، ولكن مع هذا بقى النديم تسعة أعوام مختفيا لم يخبر أحد عنه إلى إن قبض عليه بسبب خيانة أحد أعضاء البوليس السرى، ثم عفى عنه ونفى خارج البلاد .
 
إن ما فعله النديم فى حياته من وقوف مع الشعب ومناصرة له ودفاعا عن قضاياه ومصالحه، والوقوف فى وجه الحكام والتعرض للأذى هو الذى دفع الناس إلى الوقوف بجانب النديم حينما صار مطاردا مطلوبا لقوات الإحتلال الإنجليزى، فهكذا هم الرجال حينما يقعون فى أزمة ويكونون فى محنة تجد الناس ينصرونهم ويدافعون عنهم، فليت فينا اليوم من يقف هذه المواقف الشجاعة .
 
* كاتب مصري إسلامي.
 
"حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر"
 

Blogged with the Flock Browser



دروس مستفادة من الوضع الفلسطيني في الانتفاضة الأولى

 
في الثامن من ديسمبر 2009 يكون قد مر اثنان وعشرون عاما على الانتفاضة الفلسطينية الأولى المسماة ثورة المساجد التي انطلقت إثر قيام حافلة إسرائيلية بدهس مجموعة من العمال الفلسطينيين حيث قتل أربعة من هؤلاء العمال , وقد بدأت الاشتباكات بين الفلسطينيين والجيش الصهيوني أثناء تشييع جنازة الشهداء الأربعة .
 
في ذلك الوقت كانت الحركة الإسلامية في فلسطين على موعد مع مرحلة جديدة من الكفاح والنضال وكان الشيخ أحمد ياسين ورفاقه رحمهم الله جميعا قد قطعوا شوطا كبيرا في إعداد الحركة لهذه المرحلة وقد كان حادث الحافلة الصهيونية دافعا للحركة على إعلان ولادة ذلك المولود الجديد الذي قدر له أن يقود المقاومة الفلسطينية إلى يومنا هذا .
 
لقد اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى وليس لدى الفلسطينيين إلا الحجارة والسلاح الأبيض , لم يكن لديهم حينئذ بنادق ولا مسدسات , ولا صواريخ ولا متفجرات , ولا عبوات ناسفة , وتصور أن هذا الشعب الذي لا يملك شيئا يدافع به عن نفسه كان يقاتل جيشا مسلحا بأحدث الأسلحة الموجودة في الشرق والغرب , لو كان الأمر هنا يقاس بالقوة المادية فكان من المفترض أنه لا يوجد اليوم مقاومة فلسطينية ولا شعب فلسطيني , ولكن هناك مقاييس أخرى لا مجال للحديث عنها في هذا المقال .
 
هذا على المستوى العسكري أما على المستوى السياسي فلم يكن هناك ثمة هيئة سياسية جامعة للشعب الفلسطيني , كما أن منظمة التحرير الفلسطينية قد كانت في حالة يرثى لها - وظلت في تدهور مستمر حتى اليوم – فقد استشهد رجال من كبار قادة منظمة التحرير كانوا هم صمام أمان لهذه المنظمة من الانزلاق نحو الأطماع الشخصية والفئوية الضيقة وخلفهم فيها رجال لا تاريخ لهم ولا نضال , ولا سابقة ولا فضل فقادوا المنظمة إلى التنازل والتفريط وعندما اندلعت الانتفاضة كان رد تلك المنظمة ضعيفا وهزيلا جدا وتمثل في موقف حركة فتح الفصيل الأكبر في المنظمة التي أعلنت تأييدها للانتفاضة بعد أسابيع من انطلاقها .
 
وفى ذات الوقت الذي اندلعت فيه الانتفاضة الفلسطينية كان البعض ممن يسمون أنفسهم القيادة الفلسطينية يتفاوض سرا مع الكيان الصهيوني وهو ما تبلور فيما بعد في مؤتمر مدريد للسلام , وهذا يعنى أن هذه الفئة التي تخلت عن المقاومة وفضلت أحضان العدو الصهيوني على أحضان شعبها لم تكن يوما - كما يريد البعض أن يصور لنا – ممن حملوا السلاح وقاتلوا لأجل تحرير الأرض وطرد المحتل .
 
وأريد بهذا أن أؤكد أنه لا مبرر اليوم لمن يقول أن هؤلاء الذي فاوضوا العدو بينما كانت الانتفاضة في بدايتها , كانوا مقاومين ولكنهم رأوا أن لن يصلوا لشيء إذ هم ظلوا على هذا الطريق , لذا اختاروا طريق السلام – حسب زعمهم – وساروا فيه , بل أقول أن هؤلاء من البداية ما آمنوا بمشروع المقاومة وإن كانوا قد مارسوا بعض أشكال المقاومة فإن ذلك كان من أجل مصالح وأطماع شخصية .
 
وهذا أيضا يؤكد لنا أن مشروع المقاومة مستمر مهما تخلى عنه البعض سواء كان هذا البعض من القيادات العليا أو من الكوادر , وسواء قلوا أم كثروا , ففي النهاية هؤلاء لن يؤثروا في ميزان القوة لأنه لا مجال هنا للمقاييس المادية وإن كنا مطالبين بالعمل على إيجاد القوة المادية التي تمكننا من الإثخان في العدو , فهؤلاء الذين تركوا ميدان المقاومة في السابق لم يؤثروا على المقاومة بل استمرت المقاومة بفضل الله عز وجل , وكذلك المقاومة اليوم لن تتأثر إذا تخلى عنها البعض هنا وهناك .
 
ومن هذا أيضا على رجال المقاومة الأشاوس ألا يلقوا بالا لما يفعله من باعوا الأرض والوطن وعليهم أن يسيروا في نهجهم الذي انتهجوه وأدركوا أنه النهج الصحيح الذي لا بديل عنه ولا سبيل إلى تحرير الأرض وطرد المحتل ورفعة شأن الدين إلا به وهو طريق المقاومة المسلحة التي أذلت الكيان الصهيوني .
 
وعلى رجال المقاومة وكوادرها ألا يلتفتوا إلى دعوات التصالح مع هذه الفئة التي من شروطها أن يتخلى الشعب عن المقاومة , أو أن تقلص المقاومة أهدافها , أو يضعوا الشروط على أعمال المقاومة, أو يصرفوا المقاومة عن هدفها الحقيقي فبدلا من تحرير الأرض كاملة وطرد المحتل خارجها يقولون نقيم الدولة ونعيش في سلام , فعلى المقاومة أن تضع هذه الدعوات خلف ظهرها وتسير لا يصرفها عن هدفها شيء .
 
وعلى رجال المقاومة أيضا أن يدركوا أن الشعب الفلسطيني يميز جيدا بين من يقدم نفسه وماله وولده فداء للأرض والدين وبين من لا هم له إلا الكرسي ولهذا عندما وضع الشعب أمام الاختبار الحقيقي وأتيحت له الفرصة الكاملة للاختيار اختار ما يراه أنجع في مواجهة الكيان الصهيوني , وما حدث في حرب غزة الأخيرة وما بعدها من افتضاح أمر دعاة التسوية وزوال القناع الذي كانوا يتجملون به أمام شعبهم , وكذلك وقو الشعب الفلسطيني نفسه مواقف مشرفة أثناء الحرب وما بعدها فهو الذي التف حول المقاومة وهو الذي احتضن كوادرها وقيادتها , كل هذا يؤكد أن هناك الشعب الفلسطيني يدرك جيدا الفارق الشاسع بين هذين التيارين المتناقضين .
 
كل هذه الأمور التي ذكرتها لهي تبث الأمل في أن النصر لابد آت ولو تأخر , وأن المقاومة ثابتة قوية لا تهتز ولا تتزعزع لأنها ليست مجموعة من الأشخاص , بل هي فكر ومنهج وعقيدة وإيمان وثبات وعمل , على هذا فلا داعي لليأس , ولا داعي ولا مبرر لتلك الروح الخائرة التي نراها من البعض هنا وهناك , وإن المقاومة ورجالاتها الأفاضل بحاجة إلى أن نقف معها وندافع عنها وندعمها ولعل كلمة صدق تخرج من فم أحد العوام تكون أجدى من آلاف الخطب التي يلقيها البعض هناك وهناك , ولعل دعاء يدعوه رجل صالح يكون أشد على العدو من الصواريخ, ويكون أجدى للمقاومة وأنفع , والله يوفقنا وإياكم إلى كل خير .
 
* كاتب مصري.
 
"حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر"
 
Blogged with the Flock Browser