يهمنا رأيك

زائرنا الكريم، زيارتك تشرفنا، وتعليقك على المحتوى يسعدنا، فأيا كان رأيك، متفقا معنا أو مختلف، فنحن نرحب به ونضعه نصب أعيننا، طالما كان بعيدا عن السب والتجريح
**مجدي داود**

السبت، 15 فبراير، 2014

من يحرك الصراع بين أردوغان وكولن؟ ولماذا الآن؟


مجدي داود

تعرضت حكومة رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية، لأكبر هزة منذ سيطرته على مقاليد الحكم في البلاد العلمانية قبل أحد عشر عاما، استطاع خلالها أن يوطد قدمه في الحكم مع إصلاحات كبيرة وتقدم ملحوظ في كافة المجالات وخاصة الاقتصادية منها، حتى أصبحت تركيا تحتل الترتيب السادس عشر في اقتصاديات العالم، وذلك حين ظهرت فجأة قبل أسابيع قليلة قضية فساد كبيرة وألقت الشرطة التركية القبض على عدد من أبناء الوزراء وكبار المسؤولين في الحكومة التركية، ووجهت لهم تهم الفساد المالي.
قضية الفساد ظهرت فجأة باعتقال عدد من الأشخاص، واحتلت على الفور صدارة اهتمام وسائل الإعلام التركية بل والعالمية أيضا، لكن ظهورها المفاجئ أحدث صداما بين الشرطة والقضاء التركي من جهة والحكومة من جهة أخرى، وبدأ رئيس الحكومة الحديث عن مؤامرة تشترك فيها أطراف خارجية لاستهداف حكومته وبلاده، دون أن يحاول تبرئة المقبوض عليهم أو الدفاع عنهم، تاركا الأمر لسلطات القضاء، لكنه بدا وكأنه يشير إلى أن الظهور المفاجئ ليس بريئا ولكن خلفه أهداف أخرى.
سنتناول في هذا المقال جانبا من جوانب الصراع الذي ظهر بوضوح وصار حديث الإعلام والساسة، وهو سر التوقيت، فلماذا طفى الصراع الخفي منذ سنوات على الساحة بوضوح؟ ومن المستفيد منه؟ ومن المحرك والمخطط لهذا الصراع الحالي؟.

قضية "الخدمة"
كانت الحكومة التركية قد قررت قبل ظهور قضية الفساد إغلاق "المدراس التحضيرية الخاصة" أو ما يعرف بـ"الخدمة" المملوكة لجماعة "فتح الله كولن"، وهي جماعة إسلامية تنتهج النهج المعروف والمصنف لدى العالم الغربي بـ"المعتدل" بل وربما المعتدل جدا، وتعد هذه المدارس أحد أهم الموارد لدى الجماعة، وهي الوتر الذي يضعفها ويجعلها تصعد ضد الحكومة، لكن الحكومة التركية ترى أنها تضعف مستوى التعليم في البلاد، لأنها لا تجبر الطلاب على دراسة كامل المناهج التعليمية ولكنها تجهزهم فقط لاجتياز الاختبارات، لهذا قررت غلق هذه المدارس.
غير أن الصدام بين أردوغان وكولن لم يبدأ بهذه القضية، ولكنه بدأ منذ فترة طويلة، فقد بدأت المواقف تتباين بينهما منذ فترة طويلة، مثل قضية أسطول الحرية الذي قتل فيه نحو تسعة أتراك، واتهم كولن أردوغان بأنه خالف الشرعية وانتهك السيادة الصهيونية، والمفاوضات مع الأكراد التي أجراها رئيس جهاز الاستخبارات "هاكان فيدان"، وحاول كولن الإطاحة به ومحاكمته، وكذلك رفض كولن محاكمة جنرالات الجيش الذين اتهموا بالتخطيط للانقلاب على أردوغان، وموقفه من أحداث "تقسيم" وهجومه على أردوغان حينها، وغير ذلك من مواطن الصدام بين الطرفين، التي انتهت بأزمة المدارس التحضيرية.

من يحرك الصراع؟
ما يحدث الآن بين أردوغان وكولن، يثير تساؤلا هاما، عن المكاسب التي تجنيها الجماعة من الصدام مع أردوغان في مثل هذا التوقيت بالذات، فهل كانت تأمل الجماعة من وراء إثارة قضية الفساد وإعلان التحدي في هذا الوقت، أن يتراجع أردوغان عن قرار إغلاق المدارس، أم أنها تراهن على زعزعة شعبية حكومة أردوغان لكي تدخل هي بثقلها الساحة السياسية كبديل له، أم ثمة تحالف بينها وبين قوى سياسية تركية أخرى، تريد الجماعة أن تمهد لها الطريق للوصول إلى سدة الحكم في البلاد؟، أم أن هناك من دفع الجماعة للواجهة والصدام مع أردوغان، لزعزعة أردوغان داخليا وخارجيا؟.
هناك العديد من القوى السياسية والرأسمالية داخل تركيا وخارجها، متضررة بشدة من صعود أردوغان وحزب العدالة والتنمية، ومن المواقف السياسية الداخلية والخارجية لحكومته، وكذلك من الإنجازات الاقتصادية التي شهدتها تركيا خلال عهده، وهذه القوى تسعى لوقف صعود أردوغان وإزاحته من الساحة تماما إن أمكن ذلك، وهذه القوى قررت أن تكون الضربة التي يتلقاها أردوغان من أحد حلفائه السابقين، المتغلغل بشكل كبير وعلى مدى سنوات في مؤسسات الشرطة والقضاء.

عائلات الاقتصاد الكبرى
كان الاقتصاد التركي يسيطر عليه مجموعة من العائلات التركية، هذه العائلات تضررت بشدة من حكومة أردوغان، يأتي على رأسها عائلة "أوزان"، والتي كانت إحدى أكبر المجموعات الاقتصادية، كما وصل "جيك أوزان" إلى رئاسة حزب "الشباب" التركي، وكانت له شعبية كبيرة، إلا ان أردوغان أجبره في عام 2003 على تسديد  5.6 مليار دولار من الديون المتوجبة على المجموعة على إثر الإفلاس الاحتيالي لمصرفها إيمار وقتئذ، ووضعت الحكومة يدها على عدة شركات منها، وهو مقيم الآن في فرنسا بعد الحكم عليه غيابيا بالسجن لمدة 23 سنة.
المجموعة الثانية التي تضررت بوجود أردوغان وحكومته، فهي مجموعة شركات دوغان للإعلام، والتي كانت تمتلك صحيفتي "حرييت" و"ملييت" وخمس جرائد أخرى ما يعادل نسبة 40 في المائة من الجرائد اليومية التركية تقريبا، إضافة إلى ما نسبته 45.9% من سوق القنوات التلفزيونية التركية، وقد تربحت هذه المجموعة على مدى سنوات من علاقاتها الحميمة بالحكومات العلمانية، التي أعاقت قيام صحافة تركية محايدة، وقد فرضت حكومة أردوغان غرامة مالية كبيرة على هذه المجموعة بلغت قيمتها أربعمائة مليون يورو، كما فتحت العديد من ملفات الفساد لها، وهو ما أثر عليها بشدة.
أما المجموعة الثالثة فكانت مجموعة "كوتش" أثرى العائلات التركية، والتي تعمل في كل قطاعات الاقتصاد التركي، من التغذية وصولا إلى الصناعات العسكرية، وقد اتهم مقربون من حكومة أردوغان المجموعة بدعم الأحداث التي شهدها ميدان تقسيم في اسطنبول مطلع الصيف الماضي.
قبل ثلاثة أشهر من الآن تم الكشف عن اجتماع رباعي بين الرئيس الأسبق سليمان ديميرال ورحمي كوتش الرئيس السابق لمجموعة كوتش، وتايلان بيلغان عضو مجلس إدارة مجموعة دوغان للإعلام، وساري غول ممثلا عن حزب الشعب الجمهوري، الذي تم اختياره رجلا للمرحلة القادمة ورئيسا للحكومة بعد أردوغان، وأعلن بالفعل قبل أيام ترشحه في الانتخابات البلدية القادمة في مارس المقبل، وذلك بعد زيارة وفد من حزبه إلى الولايات المتحدة ولقائه بعدد من رجالات جماعة فتح الله كولن، بدأ بعدها مباشر في التودد للجماعة والدفاع عن مواقفها والمدارس التابعة لها، التي قال إنها "مهمة للحفاظ على المعتقدات الدينية"!.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل كشفت "سيفيلاي يوكسالير" وهي إعلامية تركية شهيرة، عن صفقة بين حزب الشعب الجمهوري وجماعة كولن، ونقلت عن ساري غول نفسه أنه عقد اتفاقا مع جماعة كولن بدعمه في الانتخابات القادمة، وأعلنت تحديها له في أن يخرج ليكذبها.

قوى خارجية
يقيم فتح الله كولن منذ عام 1999 في ولاية بنسلفانيا الأمريكية، ورفض الاستجابة لدعوات رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان والرئيس عبد الله جول بالعودة بعد تسوية القضايا التي كان ملاحقا فيها، وتمسك بالبقاء في منفاه الاختياري، ومن هناك يدير جماعته في تركيا وخارجها، ويقيم علاقات قوية مع العديد من دول العالم، وفتحت العشرات من المدارس التابعة له في الدول الغربية وروسيا، كما تم تصنيفه وجماعته كجماعة معتدلة في تقرير مؤسسة "راند" الأمريكية، وتشير الكثير من المصادر والأدلة على وجود علاقة خفية بين جماعة كولن والكيان الصهيوني، وليس بعيدا عن الأذهان الانتقادات التي يوجهها كولن لأردوغان بسبب موقفه من الكيان الصهيوني والمقاومة الفلسطينية.
هذه الدول الغربية والقوى الخارجية تسعى للتخلص من أردوغان صاحب الكاريزما والمواقف الجرئية، ومحاولة الخروج عن السيطرة الأمريكية، وهو هدف كفيل وحده بدفع أمريكا الولايات المتحدة للتحرك لإسقاطه، لأنها تدرك مدى خطورة ذلك، كما أن الكيان الصهيوني لديه خصومة مع أردوغان وقد توعدت وزيرة العدل الصهيونية "تسيبي ليفني" كلا من مرسي وأردوغان بدفع ثمن مواقفهم من الاحتلال الصهيوني، وقد شارك الكيان الصهيوني في التخلص من مرسي، وجاء الدور على أردوغان، كما كشفت بعض المصادر الإخبارية منذ شهور وقبل تفجر الأزمة في تركيا أن الإمارات تتواصل مع قوى تركية لترتيب الإطاحة بأردوغان، دون تسمية هذه القوى، وأنها تقدم تمويلا هائلا لهذا الهدف.
هذا البعد الخارجي في الأزمة تطرق إليه أردوغان في خطابه الذي قال فيه "سنكسر الأيادي التي تحاول المساس باستقلاليتنا" وختمه بالقول: "انتظروا منا الكثير"، محذرا سفراء بعض الدول من مغبة التدخل في الشأن التركي.
هذه القوى جميعها الداخلية منها والخارجية "الغرب والكيان الصهيوني" تدفع كولن للتصادم مع أردوغان، وهم يعرفون جميعا أنهم سيجنون المكاسب من وراء ذلك الصدام، في الوقت الذي لن يجني فيه كولن نفسه مكاسب كثيرة، لأن هؤلاء يدركون مدى خطورته في حال تبدلت مصالحه وقرر التحالف مع غيرهم.


نشر بمفكرة الإسلام:



الخميس، 6 فبراير، 2014

أردوغان وكولن .. صراع الدولة والدولة العميقة


استيقظت تركيا في السابع عشر من ديسمبر الماضي على وقع فضيحة فساد هزت الحكومة التركية، اتهم فيها أبناء العديد من كبار المسؤولين في حكومة رجب طيب أردوغان، وذكرت بعض الصحف التركية أن القضية قد تطال نجل أردوغان نفسه، لكن لم تمر سوى ساعات قليلة حتى بدأت بعض الحقائق تتكشف، وبدأت حكومة أردوغان تطيح بعدد من ضباط الشرطة بعدما ثبت أنهم قاموا بترتيب القضية فيما بينهم دون الرجوع لقياداتهم ودون الالتزام بالقانون الذي يحرك قياداتهم، حتى أن ضباطًا من اسطنبول قاموا بحملة اعتقالات في أنقرة بغير علم قيادة الأمن فيها، وهو ما يمثل خرقًا للقانون.

حكومة أردوغان اتهمت جماعة فتح كولن بالوقوف وراء القضية التي ظهرت فجأة، وتحدثت عن وجود ما يشبه "الدولة العميقة" داخل مؤسستي القضاء والشرطة، وبدأت في اتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة هذا الأمر، وطفى على السطح الخلاف الكبير بين كولن وأردوغان.

كولن والخدمة:

هو "محمد فتح الله كولن" أحد تلاميذ الشيخ "سعيد النورسي" وأحد رواد الجيل الثاني في الحركة النورسية بعد تفرقها، وهي حركة صوفية نشأت في تركيا، لكن لم يلبث كولن أن استقل عنها وأسس جماعته الخاصة والتي عرفت باسم "الخدمة" أو "حزمت" بالتركية، وباتت تعرف باسم "جماعة كولن"، وقد ميزت الجماعة نفسها عن بقية التيارات الصوفية، وكذلك عن التيارات الإسلامية الأخرى التي تؤمن بشمولية الإسلام، وقد ظهر ذلك جليًا في الخلاف الكبير بين كولن ونجم الدين أربيكان، رائد الحركة الإسلامية في تركيا، وترى الجماعة أن الإسلام ليس أيديولوجية سياسية أو نظام حكم أو شكلاً للدولة، كما أنها تردد دومًا شعار الشيخ النورسي "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم والسياسة".

على الرغم من رؤية جماعة كولن للسياسة إلا أنها لم تبتعد عنها، فقد خاضت الجماعة غمار السياسة بقوة لكن من خلف الستار، عبر التحالفات مع القوى السياسية المختلفة في تركيا، وصارت الجماعة بمثابة شريكة لبعض الأنظمة، بعد الانقلاب العسكري الذي حدث في عام 1980، إذ رأت فيه قيادة الجيش الانقلابية بديلاً عن ما تسميه "الإسلام السياسي"، وتعمقت تلك الشراكة بعد الإطاحة بنجم الدين أربيكان في عام 1997، ودعمت الجماعة حزب "الوطن الأم" وحزب "اليسار الديمقراطي" الذي كان يتزعمه بولنت أجاويد الذي قال عنه "لو كان لي حق الشفاعة في الآخرة لاستخدمتها لأجاويد"، فيما نأت الجماعة بنفسها عن دعم الأحزاب التي أسسها "نجم الدين أربيكان"، بل كانت تقف دائمًا في صف الانقلابات العسكرية التي أطاحت به.

مشروع الجماعة:

للجماعة مشروع لم تعلن عن غايتها منه بعد، إنه مشروع للتمكين، لكن ماذا بعد التمكين؟ ماذا تريد؟ كل هذه الأسئلة لا يجد المختصون إجابة لها، فعلى سبيل المثال رغم أنها جماعة إسلامية إلا أنه لم يثبت أنها احتجت مرة واحدة على حظر ارتداء الفتيات الحجاب في الجامعات، وفي الوقت الذي كان المنتمون للتيار الإسلامي يحتجون على ذلك الحظر، كان كولن يطلب من الفتيات خلع الحجاب لمواصلة دراستهن، ويقول إن قضية الحجاب ليست من أصول الإسلام، بل هي قضية فرعية، كما أنها خلافًا عن كل الجماعات الإسلامية الأخرى ترى أن المقاومة الفلسطينية "تنظيمات إرهابية"، وترفض سياسة أردوغان الخارجية بالانفتاح على العالم العربي، متجاهلة أن المسلمين جميعًا أمة واحدة.

وفي سبيل تحقيق الجماعة لمشروعها الغامض، فإنها تتوغل منذ فترة طويلة في أجهزة الدولة ومؤسساتها، وخاصة مؤسستي الشرطة والقضاء، حتى صارت الجماعة تشبه ما يمكن تسميته "الدولة العميقة" أو "دولة داخل دولة"، وساعد الجماعة في تحقيق هذا بعدها عن ممارسة العمل السياسي بصفة رسمية، حتى أنه سرب تسجيل للقاء جمع كولن مع بعض قيادات جماعته، يحدثهم فيها عن ضرورة التخفي للسيطرة على جميع الأجهزة والمؤسسات المهمة، ومن بين ذلك "شراء قضاة" ليحكموا لصالحهم في المحاكم، وقد أثارت بعض القوى العلمانية هذه القضية منذ سنوات، حتى ألف بعضهم كتبًا لكشف مخططات الجماعة، إلا أنها نفتها نفيًا قاطعًا.

مع بروز نجم حزب العدالة والتنمية في عام 2002 تحالفت الجماعة مع الحزب، وحصل كل منهما على مكاسب من هذا التحالف، فمن ناحية دخل بعض أعضاء البرلمان على قوائم الحزب، فيما حصل الحزب على أصوات الجماعة وتقدر بـ 2% إلى 5% من الأصوات وكذلك دعمها الإعلامي، وظل ذلك التحالف قائمًا لعدة سنوات، إلى أن بدأ الصدام بين الجانبين، عقب محاولات الجماعة فرض وصاية على الحكومة، والمطالبة بنوع من الامتيازات بعد أن شعرت أنها صار يمكنها فرض ما تريد على الحكومة بما حققته من توغل في أجهزة الدولة، حتى وصل الأمر إلى أن طلبت من الحكومة أن تترك لها أجهزة الشرطة والاستخبارات وتهتم بالسياسة الخارجية، كما طلبت من الحزب 150 مقعدًا في البرلمان، وهو رقم لم تكن الجماعة لتحصل عليه إذا دخلت الانتخابات بصفة رسمية.

عندما شعرت حكومة أردوغان بهذا الاستفزاز بدأت في تقليم أظافر الجماعة التي رأت أنها شبت عن الطوق وبدأت تمارس ما لا يحق لها، ولا يحق للحكومة أن ترضخ لها وهي المخولة بحماية وإدارة الدولة، وهي المسؤولة أمام مواطنيها عن أي خلل أو تقصير، وبدأت الحكومة في ذلك وفق خطة ممنهجة في عام 2011، ومنذ ذلك الحين والجماعة تتحين الفرصة لرد الصاع لحكومة أردوغان، حتى جاءت اللحظة المناسبة التي ظنوا فيها أنهم سيوجهون ضربة قوية لأردوغان بمحاكمة رئيس استخباراته وذراعه القوي "هاكان فيدان" بدعوى إجرائه مفاوضات مع حزب العمال الكردستاني باعتبار ذلك أمرًا خارجًا عن اختصاصه، إلا أن السبب الأساسي وراء استهدافه هو دوره في مواجهة نفوذ الجماعة ومشروعها في التغلغل في مؤسسات الدولة.

تنبه أردوغان للخطة مبكرًا وأجهضها سريعًا بتعديل قانون جهاز الاستخبارات، ليحمي رجله القوي في المخابرات، ثم تبين له وقوف الجماعة وراء تلك المؤامرة، فازداد إصرارًا على تحجيمها وحرمانها من كل مصادر النفوذ، فقرر بعد عدة أشهر إغلاق المدارس التحضيرية التابعة للجماعة، وهي الذراع الطولى للجماعة التي تدر عليها أموالاً طائلة، فجاء الرد من الجماعة قويًا بفتح ملفات الفساد الأخيرة، والتي كان يراد لها أن تكون عملية انقلاب قضائي تطيح بحكومة أردوغان.

صمود أردوغان وتجاوز المحنة:

تلقت حكومة أردوغان صدمة ملفات الفساد بشيء من الهدوء سرعان ما تحول إلى هجوم شرس على جماعة كولن، فقد قامت الحكومة خلال أيام قليلة بإقالة ونقل أكثر من 500 ضابط شرطة ينتمون للجماعة في العديد من المحافظات، تلاها فتح ملفات المدعين العامين، وخاصة المدعي العام الذي فتح التحقيق في القضية، وكشفت عن بعض التحركات والأسفار المريبة له وعلاقته بالإمارات، ثم قدمت مشروع قانون للبرلمان لإجراء تعديل على عمل القضاء التركي، حتى تضمن التصفية التامة لكل أنصار الجماعة ونفوذها داخل مؤسسة القضاء وبالتالي مؤسسة الشرطة.

وعلى الرغم من الآثار السلبية التي تلت فتح ملفات الفساد والتي بلغت عشرات المليارات من الدولارات وانخفاض قيمة العملة التركية، إلا أن الصلابة التي ظهرت بها الحكومة بعد ذلك، ورسائل الطمأنة التي أرسلتها للمستثمرين من خلال عقد اجتماعات معهم، وما أضحته الحكومة للمستثمرين من خطورة وجود تنظيم داخل السلك القضائي على مصالحهم، إجراءات من شأنها تخفيف حدة قلقهم وبالتالي تخفيف من حدة الخسائر.

مستقبل الصراع:

بات اللعب الآن على المكشوف بين حزب العدالة والتنمية وجماعة كولن، فكل منهما يسعى للخلاص من الآخر، وبات الصراع شبه صفري، بعد أن تبين كل طرف نوايا الطرف الآخر وكشف مخططاته، فالجماعة بعدما وجهت ضربتها للحكومة بدت وكأنها صدمت من رد فعلها والإطاحة بالكثير من رجالها في القضاء والشرطة، والتصريحات العلنية للمسؤولين في الحكومة ضد الجماعة، وعلى رأسهم رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان، وإن الحكومة التي استطاعت خلال عقد واحد التخلص من سطوة العسكر ومحاكمة جنرالاته، لن تسمح لأي تنظيم آخر أن يحل محله بشكل آخر.

يمكن القول أن الحكومة التركية حتى الآن في موقف قوي، استنادًا إلى الإنجازات الهائلة التي حققتها خلال العقد المنصرم، وشعبيتها الحقيقية في الشارع، خاصة أن العامل القوي في المعادلة لم يعد لديه استعداد للدخول في غمار السياسة من جديد، وأعني بذلك الجيش التركي، بعد سلسلة المحاكمات التي طالت عددًا من قياداته المتقاعدين وغير المتقاعدين بتهم الانقلاب أو محاولة الانقلاب، حيث أعلنت قيادة الجيش أنها ستلتزم بالبعد عن السياسة وعدم المشاركة في الصراع السياسي الحالي، وهو أمر ربما شكل صدمة أخرى لجماعة كولن والقوى الداعمة لها.

الجماعة والخسارة الفادحة:

لقد منيت الجماعة حتى اللحظة بخسارة فادحة، إن لم يكن بيدها أوراق خفية تلعب بها، لأن الصراع العلني جعل العين مفتوحة على الجماعة ونشاطاتها وتغلغلها في مؤسسات الدولة، وهو أمر لا يمكن القبول به في أي نظام ديمقراطي حقيقي، وحتى القوى العلمانية الداعمة للجماعة في صراعها الحالي مع أردوغان، أو الجيش المعتزل السياسة لن يقبلوا وجود نفوذ للجماعة في مؤسسات الدولة، وسينقلبون عليها حال وصولهم للسلطة كي لا تفعل معهم ما تفعل مع أردوغان اليوم، فلا هي قبلت بوضعها في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية ولا هي تضمن استمرار التحالف وعدم الصدام مع القوى العلمانية حال وصولها للسلطة.

كاتب وصحفي مصري.

"حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر"

- See more at: http://ar.qawim.net/index.php?option=com_content&task=view&id=8506&Itemid=1317#sthash.u0wvtdE2.dpuf