يهمنا رأيك

زائرنا الكريم، زيارتك تشرفنا، وتعليقك على المحتوى يسعدنا، فأيا كان رأيك، متفقا معنا أو مختلف، فنحن نرحب به ونضعه نصب أعيننا، طالما كان بعيدا عن السب والتجريح
**مجدي داود**

الجمعة، 30 ديسمبر، 2011

الانتخابات وتناقضات القوى الليبرالية العلمانية

الانتخابات وتناقضات القوى الليبرالية العلمانية

مجدي داود

Mdaoud_88@hotmail.com  

لن نخوض كثيرا في رد الاتهامات والسباب الكثير التي وجهتها النخبة العلمانية والليبرالية، نخبة الاستوديوهات المكيفة، إلى الشعب المصري العظيم الذي خرج ليختار من يثق فيهم ليمثلوه في أول برلمان منتخب بحرية ونزاهة في تاريخ مصر، وهو كذلك أول برلمان بعد الثورة المصرية المباركة والناجحة بإذن الله رغم كيد الكائدين شرقا وغربا، ولكني سأبين هنا بعض التناقضات الفادحة في خطاب التيار الليبرالي والعلماني مما يدل على سطحية التفكير وفساد العقل والمنطق وتمكن الهوى من النفس، حتى صار الكذب قيمة واتهام شعب مصر خلق وفضيلة لدى هؤلاء.

فمن غرائب وتناقضات هذه النخبة أنهم في الوقت الذي اتهموا فيه الشعب بالجهل والأمية والتخلف والفقر والرجعية وكل هذه الأوصاف التي سمعناها، إلا أنهم اعتبروا نجاح الدكتور عمرو حمزاوي انتصارا للدولة المدنية وراحوا يمدحون الناخبين في هذه ويطلقون عليهم أفضل الأوصاف وأحسنها، مع أنهم هم نفس الناخبين الذين اختاروا حزب الحرية والعدالة ليحصل على نسبة تصل إلى 40 % من الأصوات، فهل يعقل أن يكون نفس الناخب مستنير ومتمدين (حسب وصفهم) لاختياره حمزاوي، وفي نفس الوقت واللحظة يكون رجعي وجاهل ومتخلف (حسب وصفهم) لاختياره الحرية والعدالة؟!

لقد ضرب مرشحو التيار الإسلامي من خسر منهم ومن فاز، نموذجا رائعا للقبول بنتائج العملية الديمقراطية، لم يظهره المتشدقون بالديمقراطية ليلا ونهارا، ولا مدعي الليبرالية الذين يزعمون أنهم مستعدون للقتال من أجل حرية الآخرين رغم أنهم يختلفون معهم، فالدكتور محمد سعد أبو العزم مرشح الحرية والعدالة في مصر الجديدة كان أول من هنأ الكتور عمرو حمزاوي عند فوزه بالانتخابات بشهادة حمزاوي نفسه، في حين أن الأستاذ جورج إسحاق أقام الدنيا ولم يقعدها وراح يتهم المرشح المنافس له الذي فاز بفارق ضخم جدا وهو الدكتور أكرم الشاعر مرشح الحرية والعدالة، وصاحب التجربة والخبرة البرلمانية العريقة، ويلقي أوصافا لا تليق بسياسي مثله، ويتهمه بالتكفير واستخدام الدين في الدعاية، وغيرها من الاتهامات التي لم تعد تجدي نفعا بعدما ثبت كذبها.

كذلك فعل البدري فرغلي أحد رموز حزب التجمع سابقا، فمع أنه فاز في الإعادة أمام منافسه الذي ينتمي إلى حزب النور، إلا أنه اتهم منافسه ومناصريه بأنهم أسوأ من الحزب الوطني، بالطبع فالرجل لم يكن يتصور أن يدخل إعادة مع مرشح لتيار ينافس في الانتخابات لأول مرة، وهو ما يوضح الفارق الكبير بين احترام الاسلاميين للشعب واحتقار غيرهم له.

ولم يكن ما حدث مع المهندس عبد المنعم الشحات إلا دليلا بينا واضحا لا مراء فيه على نفاق القوم، وكفرهم بالديمقراطية والليبرالية والحرية، فقد أخذوا كلامه الذي يؤكد رفضه للديمقراطية الغربية التي تبيح للشعب مخالفة شرع الله، وأكد أنه يقبل ما عدا ذلك، من حرية الشعب في اختيار حاكمه وحصوله على حقوقه كاملة ومحاسبة الحاكم ومراقبته بأي وسيلة ممكنة، إلا أنهم استغلوا الإعلام الذي بين أيديهم لإسقاط الرجل، ومع أنه دخل في منافسة شريفة إلا أنهم أقاموا الدنيا ولم يقعدوها وجيشوا أتباعهم لنصرة المرشح المنافس المدعوم من قبل الحرية والعدالة.

وهنا يظهر تناقض كبير، فحينما نقول لهم الليبرالية تعني الانحلال والتجرد من كل القيم والأخلاق والأعراف، يقولون لنا إن للتجربة المصرية خصوصيتها ولن تكون الليبرالية المصرية كالغربية، وستكون مقيدة بالأعراف والتقاليد ... إلخ -وهذا كله مجرد كلمات للتسويق الإعلامي فقط، ولكي يخدعوا المصريين، معتقدين أنه يسهل خداعهم- فلماذا تنكرون على الرجل إذاً أن يقول مثل ما تقولونه؟! أحلال لكم حرام عليه؟!.

ولقد غلبهم الرجل مرة أخرى حينما أظهروا شماتة غير أخلاقية بخسارته وفرحا لا ينم عن أي رقي أو تحضر، وإنما يدل على مدى حقدهم وغلهم، بينما هو قد قبل الخسارة بهدوء وبساطة، وأعلن أنه فرح لفوز منافسه المرشح المدعوم من الحرية والعدالة، وأكد أنه سعيد وأنه حقق إنجازا كبيرا بأن أجبر التيار الليبرالي والعلماني وكذلك الكنيسة على التصويت للمرشح الإسلامي الذي كانوا يرفضونه أيضا.

هذه بعض الأمثلة على التناقضات الصارخة في الخطاب الليبرالي والعلماني المصري، ولو أرادوا المزيد لزدنا، بل إن أردنا أن نصنفها في مجلدات لما وسعتنا المكتبات، فهل يراجع التيار الليبرالي العلماني نفسه؟! هل ينظر إلى أفعاله وأقواله ومبادئه وأفكاره التي تنصل منها وانقلب عليها مرتين خلال أقل من عام؟! هل نرى تصحيحا للوضع ورجوعا إلى الطريق الصحيح؟! أم نرى مزيدا من التطرف نحو العلمانية المقيتة؟!.

لا أرى ذلك حادثا، وهو ما ستكشف عنه الأيام والأشهر القادمة.

 



--
نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة فى غيره أذلنا الله



الاثنين، 26 ديسمبر، 2011

هل تغير الموقف الروسي من نظام الأسد؟!

هل تغير الموقف الروسي من نظام الأسد؟!

مجدي داود

Mdaoud_88@hotmail.com  

 

منذ أن اندلعت الثورة السورية، وقد وجد نظام الأسد في حليفته روسيا خير داعم لموقفه مدافع عنه، معترضا بكل ما لديه من إمكانيات على أي أمر من شأنه أن يعود سلبا على النظام السوري، وقد ظهر هذا جليا في ترديد روسيا ذات الاتهامات والافتراءات التي يرددها نظام الأسد عن المعارضة والمؤامرة واستخدام العنف ضد الدولة، ثم استخدام حق النقض "الفيتو" مع الصين لعرقلة صدور قرار من مجلس الأمن الدولي يدين النظام السوري، ولم تغير روسيا موقفها حتى بعد الزيارات المكوكية التي قامت بها بعض أطياف المعارضة السورية إلى موسكو في محاولة لتغيير الموقف الروسي.

بل إن الموقف الروسي الداعم للنظام السوري لم يتوقف عند هذا الحد، فعلى الرغم من الضغوط والعقوبات الأوروبية والأمريكية على النظام السوري، وعلى الرغم من الضغوط الدولية التي تطالبها بوقف صادرات الأسلحة إلى دمشق، فإن روسيا قد استمرت في تزويد النظام السوري بالسلاح، ضمن اتفاقيات سابقة، وبررت روسيا ذلك بأنه لم يصدر قرار من مجلس الأمن بحظر بيع السلاح إلى سوريا، وسيرت روسيا أسطولها البحري إلى قبالة السواحل السورية في رسالة واضحة إلى أنها لن تسمح بأي عمل عسكري ضد نظام الأسد.

ولكي نفهم أهمية سوريا بالنسبة لروسيا، فعلينا أن نوضح أن سوريا وقعت مع روسيا عقود أسلحة بقيمة أكثر من 4 مليارات دولار، بما فى ذلك طائرات مقاتلة من من طراز ميج 29، وصواريخ بانتسير القصيرة المدى أرض/جو، وهو أمر من الأهمية بمكان خاصة أن بعض عملاء السلاح الروسي قد سقطوا وعلى رأسهم القذافي وعلي صالح، حيث كانت روسيا قد أبرمت مع القذافي صفقة بـ10 مليار دولار لشراء السلاح الروسي قبل سقوطه.

وقد بلغت قيمة الصادرات الروسية إلى سوريا 1.1 مليار دولار فى عام 2010، كما أن الاستثمار الروسى فى سوريا وصل إلى 19.4 مليار دولار فى عام 2009، بالإضافة إلى قاعدة ميناء طرطوس السوري التي هي قاعدة التموين البحرية الوحيدة للأسطول الروسى فى البحر المتوسط، وهناك حواراً سياسياً ودبلوماسياً متبادلاً بين البلدين حيال القضايا الهامة فى المنطقة، وفى هذا السياق تبدو أهمية سوريا بموقعها ودورها الإقليمى لروسيا لاستعادة مكانتها ونفوذها فى المنطقة.

في خطوة مفاجئة قدمت روسيا قبل أيام مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين استخدام العنف من النظام ومن المعارضة السورية، ويتضمن القرار ضرورة وقف العنف من قبل كافة الأطراف سواء من النظام السوري أو مما أسماه "عناصر متطرفة في المعارضة"، والإفراج عن السجناء السياسيين، وضرورة إحالة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان إلى القضاء، هذا المشروع قد تم رفضه، وتعهدت روسيا بإعادة طرح المشروع مرة أخرى بعد تعديله، إلا أنها لن تحذف كل إشارة إلى العنف من جانب المعارضة.

مشروع القرار الروسي هو مشروع متواضع وغير متوازن إطلاقا، ولكنه يعد تحولا ظاهرا في موقف روسيا من نظام الأسد، يتمثل بشكل أساسي في تدويل الملف ونقله إلى مجلس الأمن وهو الأمر الذي كان مرفوض مسبقا من قبل النظام السوري وحلفائه، كما أنه يدين النظام السوري لاستخدام العنف، وذلك على الرغم من أن المشروع يساوي بين الضحية والجلاد في الوصف.

هذا الموقف الروسي يدفعنا إلى التساؤل حول أسبابه، فما الذي دفع روسيا إلى تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن يدين النظام السوري؟! هل هو تغير حقيقي في الموقف الروسي من النظام السوري؟! أم أنه مجرد تغير ظاهري مع بقاء الدعم الروسي للنظام السوري في الخفاء؟!.

إن تطورات الأحداث في الآونة الأخيرة هي التي دفعت روسيا إلى اتخاذ هذا الموقف تجاه نظام الأسد، فكلما زاد عنف النظام السوري تجاه المعارضة زادت التظاهرات واتسعت رقعتها وتبين ثبات المتظاهرين وصمودهم أمام آلة البطش الأمنية والشبيحة، وكلما زادت المظاهرات زاد العنف من قبل النظام وكثرت حالات انشقاق الجنود عن الجيش والأجهزة الأمنية، فهي حلقة مطردة، وهو ما يعني خطأ التعويل على نجاح النظام في امتصاص التظاهرات وإجهاض الثورة ببعض الإصلاحات الشكلية، خاصة بعد المجزرة التي تعرضت لها حمص، يترافق ذلك مع عدد من العمليات النوعية التي قام بها الجيش السوري الحر، الذي بات أحد أهم الفاعلين في الأزمة السورية.

الموقف العربي من سوريا بدا فيه حالة من الحراك خلال الأسابيع القليلة الماضية، على خلاف حالة السكون التي استمرت شهورا منذ بداية الثورة، ففرض عقوبات على النظام السوري وعدد من الشخصيات المهمة والرئيسية في هذا النظام، واللهجة الحادة التي بات يتحدث بها بعض الساسة والدبلوماسيين العرب –وهي دون المستوى المطلوب حتى الآن- وفتح حوار مع المعارضة السورية واللقاءات المتكررة بين مسؤولي الجامعة ورموز المعارضة، ثم التهديد بإحالة الملف السوري إلى مجلس الأمن الدولي، يدل على أن الأنظمة العربية باتت لا تقبل بقاء الوضع الراهن في سوريا لأسباب متفرقة ليس بالضرورة أن تكون خوفا وحرصا على الشعب السوري.

دوليا، صار هناك غضب عالمي وفي أوروبا خاصة مما آلت إليه الأوضاع في سوريا، وتجلى ذلك في تصريحات المسؤولين الفرنسيين خاصة، وتشديد العقوبات من قبل الاتحاد الأوروبي وبعض الدول الأوروبية بخلاف عقوبات الاتحاد والولايات المتحدة الأمريكية، وتوجيه الانتقادات لروسيا والدول الحليفة للنظام السوري ولمجلس الأمن الدولي بسبب موقفه السلبي تجاه الأوضاع السيئة جدا في سوريا.

روسيا في ذات الوقت تحاول أن تبقي على علاقات معقولة مع النظام السوري الجديد، حيث أنها لا تضمن بقاء هذا النظام في ظل هذه الظروف حتى وإن استمر الدعم الروسي له سرا وعلانية، وتريد أن تبقي لها قدما في المنطقة ويكون لها نفوذ، ولهذا دفعت النظام السوري إلى التوقيع على بروتوكول المراقبين، فهي تريد أن ترسل رسالة للمعارضة تقول فيها أنها ليست مع النظام وأنها ترى الأمر فيه مؤامرة ولكنها في ذات الوقت ترفض العنف واستهداف المدنيين وسفك الدماء، فلابد من أن يكون هناك دليل على رفضها للعنف والدماء.

كما لا يمكن فصل هذا الحراك الروسي عن الاحتجاجات المستمرة من قبل المعارضة الروسية وخروج عشرات الآلاف للمرة الأولى في تاريخ روسيا المعاصرة اعتراضا على نتيجة انتخابات الدوما التي تفيد التقارير بوجود سلبيات كثيرة وعمليات تزوير واسعة شابت العملية الانتخابية لصالح حزب روسيا الموحدة بقيادة رئيس الوزراء فلاديمير بوتين، وهو ما أدى إلى توجيه انتقادات حادة للقيادة الروسية من قبل الغرب وخاصة الولايات المتحدة.

وخروجا من هذا المأزق يحاول النظام الروسي توجيه الأنظار بعيد عن روسيا، حتى لا يحدث تدخل غربي في الشأن الداخلي الروسي مع تزايد الاحتجاجات بشكل كبير، ولعدم تسليط الضوء على ديكتاتورية ميدفيديف وبوتين الذي يسعى إلى أن يكون رئيس روسيا مرة أخرى، فلابد من تحويل وتوجيه الأنظار إلى الملف السوري المشتعل حاليا.

في وسط هذه الأجواء الغير إيجابية بالنسبة للنظامين السوري والروسي معا، قررت روسيا أن تقدم مشروع القرار المعدل إلى مجلس الأمن، فهو إذاً محاولة من روسيا والنظام السوري معا لاستباق أي محاولة عربية أو غربية لتقديم مشروع قرار شديد اللهجة ضد النظام السوري، لأن أي قرار سيقدم في ظل حالة الضيق التي وصلت إليها الجامعة العربية من النظام السوري، سيكون له تأييد كبير كون أن الجامعة العربية تؤيد هذا القرار، وهو ما من شأنه أن يعود السلب على النظام السوري، لذا فتقديم مشروع قرار روسي يدور حوله النقاش لفترة طويلة ثم يتم رفضه كما حدث، ثم يتم تعديله لطرحه مرة أخرى ليدور حوله نقاش آخر، كل هذا عبارة عن مهلة طويلة للنظام السوري.

 

 

مفكرة الإسلام (خاص)

http://islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/2011/12/25/140625.html



الأربعاء، 14 ديسمبر، 2011

العلمانية والعلم في تفسير النصوص الشرعية

العلمانية والعلم في تفسير النصوص الشرعية

مجدي داود

 

إن لكل شيء قواعد وأصول، وفي كل مجال هناك أسس وضوابط علمية يهتم بها العاملين فيه والمتخصصين فيه، يظل الدارس يدرس سنينا طويلة حتى يحصل على الشهادة أو يرتقي إلى الدرجة التي بمقتضاها يستطيع أن يطبق ما تعلمه ويمارس مهنته ووظيفته التي حصل عليها بعد أن حصل على شهادته التعليمية أو ارتقي إلى درجته العلمية.

 

فليس للطبيب أن يتحدث في أمور الهندسة ويصمم مبنى بلا علم، وليس للمهندس أن يجري عملية جراحية للمريض بدعوى أنه يفهم وأن لديه عقل يفكر به، فهذا ترفضه الطبيعة البشرية ويرفضه العقل والمنطق، ولا يمكن لطالب في كلية الطب أن يذهب إلى كلية التجارة على سبيل المثال ليتعلم كيف يجري فحصا على نظر المريض، سينظر الناس إليه على أنه مجنون، لن يسمح له بالدخول، لن يحصل على الشهادة التي تمكنه من العمل كطبيب، لن يعترف به أحد ولن يلجأ إليه أحد، سيصير أضحوكة الناس.

 

وليس الإسلام عقيدة وشريعة وعبادة ومعاملة وفقها وحديثا بعيد عن هذا، فهذه علوم عظيمة، لابد أن لها المتخصصين الذين يدرسون ويناقشون ويفهمون ويعملون، ويبحثون ويجتهدون ويطبقون مستندين في كل ذلك إلى أسس علمية وضوابط وضعها العلماء السابقين الذين تعلموا على يد الصحابة والتابعين ومن سار على النهج القويم.

 

لماذا إذاً نجعل الدين ألعوبة لكل من يريد أن يلهو ويلعب، ولكل من انحرف فكره وأعجب بنفسه وظن أنه على مبارزة الله قادر، وعلى فهم مراده بلا جهد ولا علم مستطيع، ويظن أنه أكبر من أن يجلس عند أرجل العلماء يتعلم عنهم الأصول ليحسن فهم الفروع، ويظن أنه أكبر من يتعلم علوم الإعراب والنحو والصرف، ثم يخطئ في قراءة القرآن فيرفع المفعول به وينصب الفاعل، ويحرك الساكن ويسكن المتحرك، ثم يقول هذا مراد الله خذوه مني فأنا عالم.

 

يجب أن نوقن ويوقن الجميع أن أول آيات نزلت من القرآن الكريم كانت قول الله تعالى {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)} [سورة العلق] ، إن كون هذه الآيات هي أول مانزل من القرآن ليس أمرا عبثيا، بل هو أمر رباني وواجب أوجبه على عباده المسلمين بطلب العلم، يأثم من لا يمتثل له، فهو ليس مجرد حق للفرد يمكنه التنازل عنه، بل حق الله أولا، وحق الأمة على الفرد ثانيا، وهذه عظمة الإسلام التي لا توجد في سواه.

عندما أوحى الله عز وجل إلى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه القرآن، نزل القرآن بلسان عربي مبين، وكان العرب قوم يعتنون باللغة أيما اعتناء، فكان من السهل واليسير عليهم أن يفهموا ألفاظ القرآن ومعانيه ومراد الله تعالى منه، ولهذا لما جهر النبي صلى الله عليه وسلم، لم يزد على أن قال لقريش أنه رسول من عند الله جاء يدعو إلى التوحيد والكفر بالأصنام والأوثان، فرفض مشركي قريش ما قاله النبي فورا، لأنهم فهموا من كلمة "لا إله إلا الله" ما يظل طالب العلم منا يدرس معناها لسنوات.

 

لم يكن العرب في زمن الرسول في حاجة إلى وضع أصول وضوابط وقواعد للعلوم الشرعية، لأن الرسول كان بين ظهرانيهم، يسألونه في أي وقت عن أي شئ، وبعد وفاة الرسول كان صحابة رسول الله بين ظهرانيهم، وكل منهم موسوعة علمية متنقلة، فكان هناك علي وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وابن عوف وغيرهم من كبار صحابة الرسول، ثم تعلم عنهم التابعين.

 

عندما اتسعت الدولة الإسلامية ودخل في الإسلام الفرس والروم الذين كانوا في بلاد الشام ومصر وممالك الخليج وغيرها، واختلطت اللغة العربية بغيرها من اللغات، صار لابد من وضع أسس وقواعد، مثلما كانت الحاجة ماسة إلى تنقية الأحاديث النبوية من الضعيف والموضوع.

 

إن العلماء الذين وضعوا هذه الأصول والقواعد العلمية للعلوم الشرعية لم يأتوا بها من عند أنفسهم، ولم يخترعوها، بل إنها كانت موجودة ضمنا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي عهد الخلافة الراشدة، فكان الصحابة يتعاملون بالخاص والعام والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ وغير ذلك، ولكن دون أن يجعلوها قواعد مدونة لأنهم لم يكونوا في حاجة إلى ذلك كما أسلفنا.

 

وضع العلماء هذه القواعد والأصول لحماية الدين من انحرافات العقل البشري ومن أهواء البشر، التي تدفعهم إلى تزييف الحقائق، وتفسير النصوص إلى معان لا تحتملها، ولمساعدة العقل في الوصول السريع إلى المعنى الحقيقي للنصوص واستنباط الأحكام الشرعية دون الدخول في متاهات كثيرة وطرق لا تؤدي إلى الهدف المطلوب، وذلك بعد أن يكون المجتهد قد درس هذه القواعد والأصول.

 

لكن علمانيي بلادنا قوم متناقضون في أفكارهم وآرائهم وتصرفاتهم وأفعالهم، فهم ينسبون العلمانية إلى العلم، مع أن الكلمة في أصلها اللاتيني لا علاقة بها بالعلم من قريب أو بعيد، ويخرجون على الشاشات ويؤلفون الكتب والدراسات ويقومون بالأبحاث ويكتبون المقالات عن العلم وأهمية العلم، وأنه لا نهضة بلا علم، وأنه بالمنهج العلمي في كل المجالات تتقدم الأمم وتنفض عنها غبار التخلف والرجعية.

 

إلا أنهم في ذات الوقت يرفضون الاحتكام إلى الأسس والقواعد العلمية التي أصلها العلماء، ويضربون بها عرض الحائط، ويتجاوزونها عندما يقدمون على تفسير النصوص الشرعية، واستنباط الدروس والأحكام منها، فأنى لهؤلاء أن يصلوا إلى الحقيقة وهم قد اتخذوا من العلم عدوا لهم.

 

يحاول هؤلاء العلمانيون أن يوهموا الناس أن كل منهم قادر على فهم آي الذكر الحكيم وسنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، دون أن يبذلوا أدنى جهد في التعرف على هذه الأسس والقواعد التي وضعها العلماء، لأنهم في الأصل لا يعترفون بهذه الأسس، فهم يريدون تفسيرا للنصوص على حسب أهوائهم وبالقطع التزامهم بالأسس العلمية لن يمكنهم من مرادهم.

 

نجدهم يهرعون إلى المؤسسات الرسمية للاستشهاد بفتاوى بعض رجالها وجعلها حائط صد ضد التيار الإسلامي، وقالوا لا نعترف إلا بقلعة العلم هذه، ثم إذا خيبت تلك الفتاوى آمالهم، هرعوا إلى بعض المتسلقين المتعالمين ممن لم يسبق لهم التعلم لا في المؤسسات العلمية الرسمية ولا في غيرها، وفي ذات الوقت يهاجمون التيارات الإسلامية بسبب آرائها وفهمها للنصوص الشرعية، فإذا كنتم قد أبحتم لكل "من هب ودب" أن يفسر النصوص الشرعية على حسب هواه، فلماذا تحجرون على التيارات الإسلامية وفيهم العلماء والباحثين والمفكرين الذين تعلموا في المؤسسات العلمية الرسمية وغير الرسمية على حد سواء.

 

وجوهر العلمانية هو أن العقل يسبق النص، فالعقل هو الحكم على النص عند العلمانيين، وبالتالي فإن شرعية النص متوقفة على قبول العقل لها، وهم لا يؤمنون بصحة النص الإلهي إلا إذا وافق عقلهم، وإن تعارض مع عقلهم ولم يقبله عقلهم فإنهم يحكون بخطأ هذا النص، وبالتالي فليس عجبا أنهم يقومون بتحريف النصوص وتأويلها على غير ما تحتمل، أو إنكار صحتها بالكلية.

 

إن الفارق بين العالم والعلماني هو أن العالم إذا عرضت عليه مسألة أو أراد النظر في نص، فإنه يستدعي كل الضوابط والأصول والقواعد العلمية، من أصول الفقه والقواعد الفقهية وقواعد التفسير وعلم الحديث وغيرها بالإضافة إلى قواعد اللغة العربية، ثم يعرض عليها النص أو المسألة، ويجهد عقله في تطبيق هذه الأسس العلمية حتى يصل إلى الحكم النهائي، بالطبع ليس كل من نظروا في المسألة سيصلوا إلى الصواب، لأن هناك اختلاف بين البشر في قدراتهم، لكنهم على الأقل سيصلون إلى الأقرب للصواب لأنهم اعتمدوا المنهج العلمي

 

أما العلماني فهو لديه رؤية مسبقة وحكم مسبق حسب هواه، فلا يتعب نفسه في الوصول إلى الحكم بالأسس العلمية حيث يعتبر عقله حكما على النص، فهو قد ضل الطريق من بدايته فأني له أن يهتدي إلى النتيجة الصحيحة في نهايته.

 

·

 

 

 حقوق النشر محفوظة لموقع "المركز العربي للدراسات والأبحاث"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر

 



الأحد، 4 ديسمبر، 2011

مؤشرات فوز الإسلاميين وخروج التيار الليبرالي العلماني عن النص (1)

مؤشرات فوز الإسلاميين وخروج التيار الليبرالي العلماني عن النص (1)

مجدي داود

 

منذ أن بدأ التصويت في المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية، وقد بدأت وسائل الإعلام المرئية والمقروءة هجوما شديدا على التيارات الإسلامية ممثلة خصوصا في حزبي الحرية والعدالة والنور السلفي، أخذت هذه الحملة أشكالا عدة، ثم ازدادت هذه الحملة مع بروز أول مؤشرات فوز الإسلاميين بنسب كبيرة في الانتخابات، وبدأت في مهاجمة الشعب الذي كانوا يمدحونه أيام التصويت ويصفونه بأفضل الأوصاف، فإذا بهم يسخرون منه ويتهمونه بالجهل والتخلف والأمية والهبل والسفه والعته والجنون.

في هذه المقالة سأعمل على دفع بعض الأكاذيب والرد على عدد من الافتراءات التي روجها التيار العلماني والليبرالي خلال التصويت والفرز وبعد ظهور النتائج الأولية والتي ستزداد، وتنتشر بشكل ملحوظ جدا خلال المرحلتين الثانية والثالثة، وعلى الرغم مما أتوقعه من تزوير على نطاق واسع ضد الإسلاميين فإنهم سيتجاهلون ذلك تماما وسيواصلون هجومهم القذر الذي لا ينبني على أي منطق أو عقل أو خلق أو قيم.


استخدام الشعارات الدينية في الدعاية الانتخابية

قبل أن نطلق وصف "الديني" على أي شعار، فلا بد أن نعرف أولا طبقا لقوانينهم ودستورهم الذي وضع في غيبة الإسلاميين وبحكم قضاة ليسوا من الإسلاميين، وفي حقبة كان الإسلاميون فيها محاربين مضهدين يتبادلون دخول المعتقلات، فريق يخرج وآخر يدخل، هل هذه الشعارات دينية أم هي شعارات سياسية بامتياز، فإذا ما كانت أحكام القضاء تؤيد هذه الشعارات وتؤكد أنها شعارات سياسية فمن التدليس والكذب والتضليل الإعلامي وانتهاك قواعد الدعية الانتخابية، أن يطلقون عليها وصف "الديني".

شعار "الإسلام هو الحل" وهو الشعار التاريخي لجماعة الإخوان المسلمين، صدرت أحكام كثيرة من المحكمة الدستورية العليا تؤكد أنه شعار دستوري سياسي وليس شعارا دينيا، وعلى الرغم من هذا فالجماعة قد تخلت عنه، ولا يختلف عنه إطلاقا شعار "معا نصلح الدنيا بالدين" الذي نسب إلى حزب النور ورفع في بعض اللافتات لمرشحيه، لأنه إذا كان الإسلام هو الحل فهو حتما سيصلح الدنيا، ولا يستطيع عاقل أن ينكر ذلك، وعلى الرغم من هذا فإن شعار الحزب هو "هوية ودولة عصرية بعقول وأيادٍ مصرية".

فعلى التيارات الليبرالية والعلمانية أن تتعامل مع هذه الشعارات على أنها شعارات سياسية، وألا تحاول التدليس على الناس، إلا أنهم لم ولن يفعلوا، لأنهم اعتادوا على ترديد الأكاذيب ومخالفة القانون والدستور الذي صدعوا رؤوسنا به، يخالفونه حينما تكون مخالفته في صالح غيرهم، أما إن كان في صالحهم، وفيه إجحاف شديد وظلم بين لغيرهم فهم يتشبثون، وتلك هي طبيعتهم وعلينا أن نتعامل معهم على هذا الأساس.

أما عن استخدام المساجد في الدعاية الانتخابية، فهذا إن حدث فهو بشكل فردي من بعض الدعاة المنتمين إلى التيار السلفي غالبا، وأنا لم أر هذا ولم أسمعه، ولكن بافتراض أنه حدث، فهو لم ولن يكون مؤثرا في الناس، لأنه باختصار الناس لا تريد من الخطيب أن يتحدث في السياسة وإن فعل فهم يتذمرون منه وينأون عنه، ويتطاولون عليه أحيانا، وهو ما يعود بالسلب على المرشح أو القائمة التي دعا الخطيب إلى التصويت لها.

ولكن ماذا عن الكنيسة أيها الطائفيون، يا محاكم التفتيش الجديدة، يا أصحاب الألقاب الفخمة، يا من ليس لكم عمل وليس لكم مهنة إلا الظهور في الاستيديوهات المكيفة وحضور المؤتمرات في الفنادق الفخمة، يا من لا تعرفون شيئا عن الشعب، يا أيها المزيفون لماذا لا تنتقدون الكنيسة؟! هل هي فوق النقد؟! أم أنها فقط حرب على الإسلام وكره وحقد دفين ظهر على الوجوه فاسودت؟!

وبالنسبة لبعض الفتاوى التي خرجت من بعض العلماء والدعاة، بعد التصويت للتيار الليبرالي والعلماني، فهذا أمر طبيعي على الرغم من أن البعض تبرأ منه، فمن حقي أن أدعو الناس إلى ما أراه صحيحا، من حقي أن أبرهن على صحة برنامجي، من حقي أن أبرهن أن مرشحي حزبي أو توجهي الإسلامي هم الأفضل، فكما أن التيار الليبرالي والعلماني يروجون ليل نهار أن الدين سيقود مصر إلى الخلف وإلى العصور الوسطى، وهذه معاداة بينة واضحة للدين، وقد بدأت هذه الدعاية المضادة والمعادية للدين منذ أن ظهرت نتيجة الاستفتاء في مارس الماضي، وبالتالي فإن مواقف الإسلاميين هي ردود فعل على من أعلن عداءه للدين أولا.

لماذا أيها المزيفون لا تنتقدون من يرى أن الدين تخلف، وأنتم تدعون أنكم ليبراليون، وأصحاب أفكار ومبادئ وقيم وحقوق إنسان، وإذا بها تتبخر فلا نجد من كل هذا شيئا، بل نجد علمانية قحة لا تعرف للدين قيمة، ولا تؤمن بقدسية قرآن ولا حديث شريف، تدعون أنكم تحترمون الأديان وأنتم تسخرون منها ليل نهار، فأي احترام هذا، إن هذا هو مفهوم الاحترام عندكم فلا أهلا به بيننا ولا مرحبا، وإنا وإياكم على طرفي نقيض إن ظل هذا دأبكم وظلت تلك سنتكم.


مخالفات يوم التصويت

أما يوم التصويت فقد روجوا أمورا لا تؤثر من قريب أو من بعيد على العملية الانتخابية، وقد اشترك الجميع فيها بلا استثناء، وأخرى لم تحدث مطلقا، ولست هنا أدافع عن خطأ، بل أبين فساد قوم لا ينظرون إلا بعين عوراء.

فمن أهم المخالفات التي وقع فيه الجميع ولكنها لا تؤثر على نزاهة الانتخابات، ولا نتيجتها، وهي الدعاية الانتخابية أمام اللجان، لأن المواطن المصري الذي خرج من بيته ليقف في طابور طويل وينتظر الساعات الطوال حتي يأتي دوره في التصويت قد خرج من بيته وهو يعلم تمام العلم إلى أي مرشح أو قائمة سيدلي بصوته، ولن يغير من هذا القرار أيا كانت الأسباب، وبالتالي تكون الدعاية الانتخابية ليست ذات قيمة إلا أنها توضح كيفية التصويت وتذكير بالرموز الخاصة بالمرشحين، ومن يزعم أن هذه الدعاية ستؤثر في سير العملية فإنما يخدع نفسه ليبرر فشله الذريع في التواصل مع الناس.

أما ما قيل عن الورقة الدوارة، وتسويد البطاقات، ورشوة القاضي من قبل أحد مندوبي الحرية والعدالة، واستخدام الزيت والسكر لرشوة الناخبين من قبل التيار الإسلامي، فليس إلا أكاذيب وافتراءات، روجها إعلام الدجل والنصب والفتن من أمثال أون تي في، وسياسيون أدمنوا اتهام الغير لتبرير حقدهم الدفين وكرههم الشديد لطبيعة الشعب المصري وقيمه، من أمثال رفعت السعيد الذي لو قيل له لماذا تلبس رابطة العنق الحمراء؟! سيقول لأن الإخوان أخذوا الزرقاء!!.

إنه من السهل واليسير أن يتم ترويج الأكاذيب، ومن السهل واليسير أيضا أن يتم تصوير تلك الوقائع لتأكيد الاتهامات، بل لتصبح حقيقة نافذة، فنحن لم نر مقاطع فيديو يظهر فيها إسلاميون يوزعون زيتا وسكر، لم نر من يوزع أغطية، لكننا رأينا من مرشحي الكتلة المصرية من يفعل في فيديوهات مسجلة وموجودة على شبكة الانترنت.

هل صار هؤلاء المزيفون مصدقون عند وسائل الإعلام دون بينة؟! نعم، لأنها ليست وسائل إعلام، بل وسائل حرب خفية ومعلنة على الشعب، إعلاميون لا يعرفون عن الإعلام أدنى أساسياته ومقوماته وحياديته، ومراسلون يخترعون القصص والأكاذيب ومع أنهم لديهم كاميراتهم التي يمكنهم بها تسجيل هذه الانتهاكات الجسيمة التي روجوها إلا أنهم لم يفعلوا.

إننا أمام تيار يدعي الليبرالية، ولكنه في الحقيقة لا يمت لها بصلة، ليس هذا مدحا في الليبرالية، ولكن الليبرالية تعني الحرية المطلقة لكل الناس، لكن هؤلاء يريدون الحرية لهم فقط، إنها العلمانية بوجهها الحقيقي القبيح القذر، ولكنهم هذه المرة بدأوا ينزعون الأقنعة، وينفضون الغبار، ويعلنون العداء صراحة، ويشنون الحرب خفية وعلانية.



--
نحن قوم أعزنا الله بالاسلام فإن ابتغينا العزة فى غيره أذلنا الله