يهمنا رأيك

زائرنا الكريم، زيارتك تشرفنا، وتعليقك على المحتوى يسعدنا، فأيا كان رأيك، متفقا معنا أو مختلف، فنحن نرحب به ونضعه نصب أعيننا، طالما كان بعيدا عن السب والتجريح
**مجدي داود**

الأحد، 17 مارس، 2013

ورحلت خنساء فلسطين بعدما رسمت طريق العزة

ورحلت خنساء فلسطين بعدما رسمت طريق العزة

مجدي داود

 

http://woman.islammessage.com/article.aspx?id=7441

رحلت عن دنيانا اليوم خنساء فلسطين، مريم فرحات أم نضال، رحلت بعد عناء مع المرض طويل، رحلت وتركت وراءها قلوبا تبكي ألما وعيونا تبكي دمعا، رحلت أم نضال عن دنيا العبيد، لتلحق بأولادها الثلاثة الشهداء، رحلت أم نضال بعدما سطرت بكلمات من نور سجلا أبيضا في جبين فلسطين، وفي جبين الأمة كلها، تتفاخر به الأجيال تلو الأجيال، وتهتدي به من أرادت أن تعز دينها في الدنيا، وتسعد بنعيم الآخرة.

أم نضال هي إحدى نساء فلسطين، ولدت بعد النكبة في 24 ديسمبر 1949م لأسرة بسيطة من قطاع غزة، لديها 10 من الإخوة و5 من الأخوت، تفوقت في دراستها حتى تزوجت بفتحي فرحات، وهي في بداية الثانوية العامة, لكن لم يمنعها الزواج عن إكمال دراستها، فواصلت، وقدمت الامتحانات الثانوية وهي حامل بمولودها الأول، وحصلت على 80%، وأنجيب 6 من البنين و4 من البنات.

قامت أم نضال بدور جهادي عظيم خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، ففتحت أبواب بيتها للمجاهدين يختبئون فيه، حينما كانت غزة ملآى بالعملاء والخونة، وكانت شوارعها لا تكاد تخلو من جنود الاحتلال، والدوريات العسكرية المستمرة.

إيواء المجاهدين

وظل بيتها مأوى للمجاهدين، إلى أن اختبأ فيه القائد الشهيد "عماد عقل" أحد قادة كتائب القسام، وأخطرهم على الاحتلال الصهيوني، وكان "عقل" على رأس قائمة المطلوبين للاحتلال الصهيوني حيا أو ميتا، حتى أطلق عليه "ذو الأرواح السبعة"، وأمر الاحتلال عملاءه في غزة بتكثيف جهدهم فقط لمعرفة مكان عماد عقل.

اختبأ عقل في منزل أم نضال بدءا من عام 1992، وكان يخرج لتنفيذ عملياته ضد الاحتلال، فيقتل ويصيب ويبث الرعب في قلوبهم، ثم يعود إلى منزلها ليختبئ فيه، إلى أن وشى به الخونة والعملاء، فحاصر الاحتلال المنزل، واشتبك عقل مع جنود الاحتلال حتى قتلوه على باب المنزل.

لم يتوقف دور أم نضال الجهادي عند هذا الحد، بل ربت أبناءها الستة على حب الجهاد في سبيل الله، فانضموا جميعا إلى كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس في فلسطين.

استشهاد الأبناء

كانت لحظة فارقة في حياة أم نضال، يوم أن ودعت ولدها وزفته بنفسها إلى جنان الخلد والحور العين، فقد ظهرت مع ابنها "محمد" الاستشهادي القسامي في مطلع عام 2002، وهي تقبله قبلات الوداع، وهي تعلم أنه ذاهب بلا رجعة فحتى جسده قد لا تراه مرة أخرى، ورحل محمد وفجر نفسه في جنود الاحتلال ليقتل من يقتل ويصيب من يصيب، بينما جسده الطاهر قد تمزق وصار أشلاء.

يا لتلك الأم المؤمنة، التي وصلت إلى مرحلة اليقين التام بربها والثقة اللا نهائية في صحة عقيدتها، وثباتها على منهجها، فقدمت أبناءها واحدا تلو الآخر، فبعد عام واحد أي في 2003 استشهد نجلها البكر "نضال" وكان أحد قادة كتائب القسام، وأحد المهندسين الأوائل الذي شكلوا وحدة الصواريخ، في كتائب القسام، ولم يمر عامين حتى استشهد ولدها الثالث "رواد" بعدما قصف الاحتلال سيارته في قطاع غزة في عام 2005، كما قضى ولدها الرابع 11 عاما أسيرا في سجون الاحتلال الصهيوني، كما قصف العدو بيتها أربعة مرات بالصواريخ، قدر الله أن تنجو منها جميعا.

العمل السياسي

خنساء فلسطين التي قدمت أولادها شهداء أكملت عملها ومسيرتها ورسالتها في الحياة، حينما ترشحت على قائمة حركة حماس للمجلس التشريعي الفلسطيني، وسافرت ضمن وفود الحركة إلى بعض الدول، لتجذب المساعدات لبني جلدتها بعدما فرض عليهم العدو وحلفاءه حصارا خانقا حتى يركعوا ويطأطئوا الرؤوس، لم تكل ولم تمل، بينما كان آخرون يحرضون الاحتلال على مزيد من الحصار وتضييق الخناق.

أم نضال هي امرأة عاشت في دنيانا، رأيناها والتقينا بها، سمعناها تتحدث ورأيناها تودع ولدها، فهي ليست من عصور مضت ولا من أسلافنا ممن نقرأ سيرهم في الكتب، أفلا تخجل بعض نسائنا من أنهن لسن سوى أرقاما في سجلات المواطنين، لا يقدمن ولا يؤخرن وليس لهن في الحياة إلا اللهو واللغو واللعب؟، أفلا تخجل بعض الأمهات ممن لا يعرف أبناؤهن شيئا عن دين الله، حتى الصلاة لا يقربونها؟، بل أفلا يخجل بعض الرجال أنه وقد بلغ من العمر ثلاثين أو أربعين سنة وهو لا يركع لله ركعة؟ وإذا ما ذكرت أمامه أهل الرباط تأفف واشمأز؟!.

ها هي خنساء فلسطين تفارق الحياة وهي طريحة الفراش في أحد مشافي غزة، لكنها ضربت أروع المثل للمرأة المسلمة المؤمنة، التي تحمل هم أمتها ودينها، وتقدم الغالي والنفيس في سبيل عزة دينها، ضربت خنساء فلسطين لنساء فلسطين ونساء الأمة كلها أروع المثل في تربية الأبناء على الصلاح والتقوى، وحب الجهاد والموت في سبيل الله.

قدمت أم نضال القدوة الحسنة إلى نساء الأمة كيف يكونوا في خدمة أهليهم وذويهم، كيف يكون لهن دورهن الاجتماعي الرائد والمتميز، الذي يجعل الجماهير تلتف حول أهل الصلاح والتقوى ويكونوا محل ثقتهم، بدلا من أن يذهبوا إلى أهل الفساد والبدع فيلبسوا على الناس دينهم ويفسدوا عليهم دنياهم.

رحم الله خنساء فلسطين، ولكأني بأبي الطيب المتنبي يعنيها بأبياته الرائعة، التي قال فيها:

 

ولو كان النساء كمن فقدنا *** لفضلت النساء على الرجال

وما التأنيث لاسم الشمس عيب *** ولا التذكير فخر للهلال

وأفجع من فقدنا من وجدنا *** قبيل الفقد مفقود المثال

 


--
نحن قوم أعزنا الله بالاسلام فإن ابتغينا العزة فى غيره أذلنا الله



السبت، 16 مارس، 2013

وثيقة العنف ضد المرأة .. كارثة يجب التصدي لها

وثيقة العنف ضد المرأة .. كارثة يجب التصدي لها

مجدي داود

http://woman.islammessage.com/article.aspx?id=7434

 

لم تتوقف يوما المحاولات الغربية لطمس الهوية الإسلامية، لأنها ليست محاولات مجردة منفردة، بل هي سياسات لاستيراتيجيات واضحة وأهداف ثابتة، يبذل في سبيلها الغرب كل ما يستطيع من أجل تنفيذها، غير آبه بما تعود عليه بخسائر مرحلية مؤقتة ربما يكون في أمس الحاجة إلى عدم حدوثها، ولكنه ينظر إلى هدف أسمى ونتيجة نهائية.

ومن أهم السياسات الغربية لطمس الهوية الإسلامية، هو تغريب المرأة المسلمة وهدم الأسرة، وهي اللبنة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع المسلم، فمتى ضاعت المرأة ضاع المجتمع كله، ومتى ضاع المجتمع اندثرت ثقافته وتهدمت حضارته، وعجز عن الإبداع والتقدم، وسيطر عليه أعداؤه، ومتى صلحت المرأة، صلح المجتمع كله، ومتى صلح المجتمع ازدهرت ثقافته وتعاظمت حضارته، وبات قادرا على فرض إرادته وثقافته على الآخرين.

وثيقة هدامة

وفي حلقة جديدة من حلقات السياسة الغربية لطمس هوية المرأة، تناقش لجنة مركز المرأة بالأمم المتحدة وثيقة بعنوان "إلغاء ومنع كافة أشكال العنف ضد النساء والفتيات"، وتتضمن تلك الوثيقة ضرورة استبدال الشراكة بالقوامة، والاقتسام التام للأدوار داخل الأسرة بين الرجل والمرأة، والتساوي التام في تشريعات الزواج مثل إلغاء كل التعدد، والعدة، والولاية، والمهر، وإنفاق الرجل على الأسرة، والسماح للمسلمة بالزواج بغير المسلم، التساوي في الإرث، وسحب سلطة التطليق من الزوج، ونقلها للقضاء، واقتسام كافة الممتلكات بعد الطلاق، ومنح الزوجة الحق في شكوى زوجها بتهمة الاغتصاب أو التحرش، بالإضافة إلى منح الفتاة كل الحريات الجنسية، مع رفع سن الزواج إلى الثامنة عشر، وتوفير وسائل منع الحمل للمراهقات وإباحة الإجهاض، بالإضافة إلى مساواة الزانية بالزوجة في كافة الحقوق.

إن هذه الوثيقة الجديدة لتعبر في حقيقة الأمر عن جوهر الرغبة في "التمرد النسوي" في المجتمع الإسلامي، المحافظ بطبيعته وتقاليده وأعرافه –رغم أن تلك التقاليد والأعراف أصيبت في مقتل الفترة الأخيرة- إلا أن ثمة أمور لا يزال المجتمع غير متقبل لها بحال من الأحوال، بل يشمئز منها ويرفض أي حديث أو تبرير لها.

ليست خطورة هذه الوثيقة في أنها تدعو إلى ما سبق ذكره، ولكن في أنها تجعل بنودها موادا حاكمة للقوانين والدساتير الوطنية، وهو ما يعني ضرورة تعديل تلك الدساتير والقوانين لموافقة تلك الوثيقة، حسبما تنص قواعد القانون الدولي، أي أننا أمام محاولة جديدة للاحتلال الفكري والثقافي و"القانوني"، وهنا مكمن الخطر الجديد، فالانحراف التشريعي في أمور الأسرة ستظهر آثارها في وقت أسرع مما يتخيله الكثيرون، وستكون العواقب وخيمة على تماسك الأسرة والمجتمع ككل.

إنه لسرعان ما ستقوم المنظمات النسوية التخريبية برفع القضايا التي تجعل من بنود الوثيقة واقعا معاشا بدلا من حبر على ورق، وبفعل وسائل الإعلام المختلفة، والدور التخريبي المستمر الذي تقوم به هذه المنظمات، فستنتشر تلك الأفكار انتشار النار في الهشيم، وكالعادة لن يكون بشكل مباشر يصطدم بقناعات الناس الدينية أو العرفية، ولكن بطرق وأساليب شتى ملتوية، كما حدث في قضايا سابقة.

دور العلماء

إن حالة السكون التي تعيشها المؤسسات الدينية في بلادنا تجاه تلك الوثيقة الجديدة، لتنذر بخطر عظيم، وتدل على أن هذه المؤسسات لا تلقي بالا لما يحاك لأمتها من مؤامرات لهدمها والقضاء عليها، وأنها رهن إشارة الحكومات المختلفة، التي ربما توقع على تلك الوثيقة، سواء بتحفظات أو بدون تحفظات.

وإزاء هذا الصمت المؤسسي، وهذه المخاطر الجمة، فإنه ينبغي على العلماء المدركين لخطورة الأمر أن يسعوا جاهدين إلى تبيان حقيقة تلك الوثيقة ومخاطرها، وأن يبينوا الحكم الشرعي فيمن يوقع عليها أو يرض بها أو يسعى لتطبيقها في بلادنا، فإن فيها أمورا إن رضي بها المسلم كفر بالله ورسوله وخرج عن ملة الإسلام قولا واحدا، وإن فيها أمورا حرمتها بينة ظاهرة لا ينكرها ذلك المسن الأمي الذي بالكاد يقرأ فاتحة الكتاب، وعليهم أن يعلنوا ذلك بلا خجل ولا استحياء، بل بقوة أهل الحق وورثة الأنبياء.

وإن على هؤلاء وطلاب العلم وعامة المثقفين والكتاب الضغط على الجهات الدينية الرسمية، لتبيان الحق للناس، وتذكيرهم بقول الله تعالى في كتابه الكريم في سورة البقرة {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)}، وقوله تعالى في ذات السورة {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)}، وهؤلاء العلماء هم الذين علمونا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

 

دور الإعلام

لقد صار دور الإعلام في تشكيل توجهات المجتمع والرأي العام دورا كبيرا، وللأسف فإن الإعلام العلماني المخرب صار هو صاحب اليد الطولى والكلمة النافذة، في ظل إعلام إسلامي مهترئ لا يقدم ولا يؤخر، لأسباب لست بصدد مناقشتها، ولكن في ظل تلك الخطورة الحقيقية، ينبغي القيام بحملة إعلامية موسعة، يقودها العلماء وأهل الفكر والرأي، حملة يرصد لها ما تحتاجه من دعم مادي وبشري، يدعى للمشاركة فيها الجماعات والتيارات الإسلامية والمؤسسات الدينية، ويستنفرون فيها طاقاتهم وإمكاناتهم، حماية للمجتمع الذي يسعون لإصلاحه.

إن تلك الحملة الإعلامية يجب أن تعتمد على كافة الوسائل الإعلامية التقليدية وغير التقليدية، فبدءا بالفضائيات وهي الوسيلة الإعلامية الأكثر تأثيرا، تليها مواقع الانترنت، ثم الصحف والمجلات، والمؤتمرات والندوات، وخطباء المساجد، وكوادر الجماعات والتيارات الإسلامية المختلفة، المنتشرة في كل نجع أو قرية أو مدينة صغرت أم كبرت، مع أهمية مراعاة محادثة الناس يفهمونها، وإبعاد تلك القضية تماما عن العمل الحزبي والسياسي، حتى تتقبل الجماهير تلك الدعوة وهذا التحذير بصدر رحب.

إن التصدي لهذه الوثيقة ومحاولات إقرارها ليس بالأمر الهين وليس بأمر فيه فسحة للمسلمين، بل هو واجب شرعي، ومهما كانت التداعيات فلابد من منع إقرارها وتطبيقها في بلداننا الإسلامية، والوقوف في وجه الحكومات إن أرادت ذلك، بأي وسيلة كانت، ومهما كلف ذلك من ثمن، فكل ثمن يصير هينا رخيصا إذا ما قورن بتماسك الأسرة المسلمة وسلامة المجتمع من الانهيار التام.

 


--
نحن قوم أعزنا الله بالاسلام فإن ابتغينا العزة فى غيره أذلنا الله



الاثنين، 11 مارس، 2013

ربيع تونس.. هل استحال خريفا؟

ربيع تونس.. هل استحال خريفا؟

كان فوز حركة النهضة الإسلامية التونسية بنحو 41% من مقاعد المجلس التأسيسي التونسي، الذي تم انتخابه في 23 أكتوبر 2011، مؤشرا هاما على تعاظم دور الحركة الإسلامية في تونس، ثم تبعها نجاح التيار الإسلامي في مصر بنسبة تقارب 72% من مقاعد البرلمان، وثمة محاولات جادة، للانقلاب على هذه النتيجة، ما لم تقدم تلك التيارات من القرابين والوعود والالتزامات، ما تحصل به على صكوك الغفران الغربية على ما سبق، وصكوك أحقية الحكم في المستقبل.

على الرغم من أنه كان هناك شبه إجماع بين المحللين والمراقبين الغربيين، والكثير من نظرائهم العرب، على أن أي انتخابات حرة في الدول العربية ستأتي بالتيار الإسلامي، إلا أنه بعد سقوط النظام التونسي، ومن بعده نظام حسني مبارك، في ظل الظهور القوي لدور الشباب في كلا الثورتين، ظن البعض أن الأمور قد تغيرت، ولم يعد للإسلاميين تلك الأرضية الشعبية التي كانت موجودة في عهد الأنظمة السابقة، وأن الحركات الشبابية قد خصمت من رصيد الإسلاميين في الشارع، إلا أن فوز التيارات الإسلامية بهذه النسب، شكل صدمة كبيرة للكثيرين، ومن هول الصدمة، قام على سبيل المثال، أحد أعضاء المجلس العسكري المصري السابق بالقول إن هذه النسب التي ظهرت في مصر لا تعبر عن حقيقة المجتمع المصري، ورغم أن المجلس العسكري تراجع بعد ذلك، إلا أن التصريح كشف عن مكنون أعضائه وطبيعة تفكيرهم، وهو ما تأكد من خلال الممارسات بعد ذلك.

وفي تونس لم يكن الحال بأفضل من ذلك، فالتيارات العلمانية اليسارية قد أصيبت أيضا بصدمة كبيرة من نتيجة الانتخابات، ورغم أنه تم تشكيل تحالف بين ثلاثة أحزاب رئيسية، أحدهم فقط ذو خلفية إسلامية وهو حركة النهضة والآخران حزبان علمانيان، إلا أن ذلك لم يشفع لهذا التحالف عند المعارضة التي سرعان ما أطلقت على الحكومة "حكومة النهضة"، مشككة في شرعيتها، وشرعية حكمها في ظل وجود أي عناصر تنتمي لحركة النهضة داخلها.

أثار العلمانيون في تونس العداء السافر ليس فقط لحركة النهضة كحركة إسلامية، بل للإسلام ذاته، وقيمه وتقاليده، بدءا من الصور العارية على بعض المجلات، ثم سب الذات الإلهية في إحدى الفضائيات، وغيرها من صور الاستفزاز الكثيرة، والتي شملت أيضا تحريض النقابات العمالية على رفع راية العصيان المدني والإضراب، في وجه الحكومة، حيث لا يزال يسيطر التيار العلماني على تلك النقابات –بخلاف الحال في مصر حيث يسيطر الإخوان على العديد من النقابات- وأبدى هؤلاء العلمانيون تحديا مسبقا لأي محاولة لإصلاح الوضع الاجتماعي ليوافق الشريعة الإسلامية، بعدما كان قد تم إفساده بالاستجابة للمطالب الغربية في كل ما يخص المرأة وشؤون الأسرة.

بروز السلفيين

برز في ذلك الوقت دور التيارات السلفية، التي هالها ما يحدث في تونس من قبل العلمانيين وتحديهم الواضح للإسلام، ورفضهم حتى لما أنتجته الديمقراطية التي صدعوا رؤوسنا بها لسنوات، فقرر بعضهم الانخراط في العملية السياسية، وتم تأسيس أحزاب سياسية سلفية بالفعل، مثل حزب الأصالة وحزب جبهة الإصلاح، فيما رأى البعض الآخر أنه لا جدوى من هذه العملية الديمقراطية فابتعدوا عنها وقاطعوها، وتورط عدد قليل جدا منهم في بعض الأعمال العنيفة، التي لا يمكن بحال تعميمها على التيار السلفي، لأنه لا يمثل تنظيما موجودا ومترابطا بقدر ما هي أفكار متناقلة، وقد قامت أجهزة الأمن بملاحقة هذه العناصر القليلة، فتوقفت عن اللجوء للعنف.

كان للظهور القوي للتيار السلفي أثر كبير في زيادة الصراع بين التيار العلماني وحركة النهضة، فبينما حاولت حركة النهضة أن تظهر في شكل التنظيم صاحب الفكر المعتدل، البعيد عن التيار السلفي، وحاولت التقليل من مخاوف التيار العلماني وإيصال رسالة بأنها لن تتجه إلى الفكر السلفي ولن تدخل في مزايدات مع هذا التيار، إلا أنها فشلت في تحقيق التوازن المطلوب بين هذين التيارين.

أصدر عدد من رموز حركة النهضة العديد من التصريحات التي أثارت قلق التيار السلفي، وأصدروا بالمقابل التصريحات المنددة بحركة النهضة وسياستها، فالتقى الشيخ راشد الغنوشي الزعيم التاريخي لحركة النهضة، بعدد من رموز التيار السلفي في تونس وشرح لهم بعض العقبات التي تواجه الحكومة التونسية، وحدثهم عن عدم ضمان مواقف الشرطة والجيش، وسيطرة التيار العلماني على الكثير من مفاصل الدولة، ودعاهم لاستغلال جو الحرية الموجود للاهتمام بالدور التربوي والخدمي والدعوي، لخلق شعبية وأرضية مناسبة، يتم البناء عليها في الفترات اللاحقة، إلا أنه تم تسريب مقطع فيديو لهذا اللقاء، وهو ما أثار غضب التيار العلماني، وأزعجهم ما اعتبروه محاولة للتقارب بين النهضة والتيار السلفي أو على الأقل ما يمكن تسميته بـ"السياسة الخفية لحركة النهضة"، حسبما ظهر في تعليق أحد العلمانيين على المقطع ذاته.

سيولة التحالفات والتفكك

صعدت القوى العلمانية من حراكها السياسي الهادف إلى إسقاط الحكومة التي تقودها حركة النهضة، وبدأت هذه القوى تتحالف مع بعضها البعض، في ظل حالة السيولة السياسية التي تشهدها تونس منذ الثورة، حيث تحالف كل من حركة "نداء تونس" التي يتزعمها رئيس الوزراء السابق الباجي قايد السبسي، الحزب "الجمهوري" بقيادة مي الجريبي وحزب "المسار الديمقراطي الاجتماعي" بزعامة أحمد إبراهيم، تحت اسم "الاتحاد من أجل تونس"، وهذا التحالف هو تحالف مصالح بالدرجة الأولى، حيث لا يربط هذه الأحزاب الثلاث أي رابط فكري أو أيديولوجي، أو حتى رؤية مستقبلية لإدارة البلاد.

كما كان بارزا في هذا التحالف أنه ضم حركة "نداء تونس"، وهي الحركة التي تعتبر الغطاء السياسي لعودة قيادات وعناصر حزب "التجمع الدستوري الديمقراطي"، الذي كان ينتمي إليه الرئيس المخلوع ابن علي، والذي صدر قرار قضائي بحله بعد الثورة التونسية، كما أن زعيمها "الباجي قائد السبسي" تقلد العديد من المناصب السياسية البارزة في عهد الحبيب بورقيبة مثل وزارات الداخلية والدفاع والخارجية، ورئاسة البرلمان التونسي في عهد الالرئيس المخلوع "ابن علي".

وقد حاولت المعارضة العلمانية التشكيك في شرعية المجلس التأسيسي التونسي بعد مرور عام على انتخابه، وكذلك التشكيك في شرعية الحكومة التي تقودها حركة النهضة، وبدأت موجة جديدة من الاعتصامات والإضرابات العمالية، إلا أن تماسك الترويكا الحاكمة والتماسك الداخلي لأطرافها الثلاث، بمكنها من تجاوز تلك الأزمة، وفشلت المحاولة العلمانية في إسقاط الحكومة.

لكن لم يمر وقت طويل، حتى بدأت الخلافات تدب بين أعضاء الترويكا الحاكمة، بل ظهرت خلافات داخل الأطراف المكونة لهذه الترويكا، وبناء على هذه الخلافات ظهرت مشكلة "التحوير الوزاري"، وطالب شريكا حركة النهضة في الترويكا الحركة بالتخلي عن الوزارات السيادية في الحكومة، وبشكل خاص وزارتي العدل والخارجية، وهو ما رأته الحركة ابتزازا غير مقبول، وخروجا على صيغة الحكم منذ انتخابات المجلس التأسيسي، وهو ما لا يتناسب مع الأوضاع النسبية لشريكي الحكم، خصوصا بعد الانشقاقات التي تعرضا لها وأفقدتهما نسبة مهمة من كتلتيهما النيابية.

تفاعلت مشكلة التحوير الوزاري، وزادت من الخلافات داخل مكونات الترويكا، ما أدى إلى استقالة بعض المسئولين من مناصبهم، وبدت حركة النهضة أقل تمسكا ببقاء هذا التحالف الثلاثي أكثر من أي وقت مضى، وبدا وكأنها تتجه إلى خيار توسيع هذا التحالف ليضم كتل برلمانية أخرى، بحيث يكون هناك توازن في الحكومة إذا أصر شريكاها على مواقفهما التي ترفضها الحركة.

اغتيال شكري بلعيد

جاء اغتيال السياسي اليساري المعارض، شكري بلعيد، الأمين العام لحركة "الوطنيون الديمقراطيون"، والقيادي بـ"الجبهة الشعبية" التي تضم في تركيبتها قوى يسارية وأخرى قومية، لتزداد الأوضاع السياسية سخونة في البلاد، فسارعت المعارضة إلى اتهام حركة النهضة والتيارات السلفية بالمسئولية عن اغتيال بلعيد، ورغم أن الحركة وكذلك التيارات السلفية وعلى رأسها السلفية الجهادية، نفت أي مسئولية أو علاقة بها بهذه العملية، إلا أن ذلك لم يقنع التيارات العلمانية التي لا تزال تردد اتهاماتها.

إنه لمن غير المنطقي أن تكون حركة النهضة هي المسئولة عن اغتيال بلعيد، ذلك أنها تقف على رأس السلطة السياسية في البلاد، في ظل ظروف مضطربة، لأنه من المعلوم أن حوادث الاغتيال من هذا النوع، تؤدي إلى فتنة كبيرة تعصف بالواقع في البلد وهو ما لا يصب في صالح الحاكمين أو المعارضة الشريفة، وإنما يقف وراءها جهات أخرى ستستفيد من تلك الفتنة وتريد أن تستمر وتتطور.

أما الحركات السلفية، فهي وإن كانت في خصومة مباشرة مع بلعيد، الذي طالما تطاول على الدين الإسلامي وثوابته، إلا أن هذه الجماعات لا تتحرج في تبني أي أعمال تقوم بها، فهي  إن كانت قد فعلت حقا، فستسارع إلى تبني هذه العملية، حتى تكون رادعا لأي شخص آخر من القيام بالسخرية والهجوم على أحكام الدين –مثلما كانت تفعل الجماعة الإسلامية في التسعينات في مصر-، أما قيامها بنفي ذلك، فهو يعني أنها غير مقتنعة بفعلها، وأن الشعور بالتغرير سينتقل إلى أتباعها فينفضون عنها، ولهذا، فمن المستبعد أن تكون تلك الحركات هي التي قامت بتلك العملية.

المستعمرة الفرنسية

زلة لسان كشفت عن العلاقات بين المعارضة العلمانية التونسية من جهة وفرنسا من جهة أخرى، وتبين حجم التدخل الفرنسي في الشأن التونسي، ومحاولات توجيه الدفة إلى حيث تريد فرنسا، حيث وصفت قارئة الأخبار على فضائية "فرانس 24" تونس بأنها "مستعمرة فرنسية"، ثم علق وزير الداخلية الفرنسي "إيمانيال فالس" على ما يحدث في تونس، وكأنها بالفعل مقاطعة تابعة لبلاده، فقال:"إنها لم تعد مثالا للربيع العربي"، ووصفها بأنها صارت تشبه الدول الظلامية التي تهدد القيم الديمقراطية، وتجعل باريس في حالة انشغال وقلق دائمين، وأكد أن فرنسا ستساعد القوى الديمقراطية حتى تعيد البلاد إلى الجادة الصحيحة وتنقذ مسارها من الأخطار التي تهدد استقرارها، لأن تونس سقطت في قبضة "القوى الرجعية التي تشكل خطرا على مكاسب النساء وتجبرهن على التحجب".

وهذه التصريحات وزلة اللسان تكشف حجم الحرب الشعواء التي تتعرض لها حركة النهضة التونسية، أو بمعنى أوضح وأصح، الحرب التي يتعرض لها الإسلام في تونس، بعد عقود من سيطرة العلمانية على مقاليد الحكم وكافة مفاصل البلاد، فهذه القوى العلمانية ومعها الحليف الفرنسي وهو المحتل السابق لتونس، لا تريد للحركة الإسلامية أن تتمتع بأي انتصار في تونس، سواء كان انتصارا ديمقراطيا أو شعبيا، بل هم لا يريدون أن يروا أيا من مظاهر الصحوة الإسلامية، ويسعون بكل قوة لدفع حركة النهضة إلى التضييق على التيار السلفي ومطاردته، وذلك لتحقيق هدفين أولهما وقف الدعوة الإسلامية وانتشار التيار السلفي، والثاني هو الوقيعة بين مكونات الحركة الإسلامية، حتى يتناحرا فيما بينهما وبالتالي يكون مصيرهما الفشل معا، وهو ما أوضحه الشيخ راشد الغنوشي حينما أكد أن التربض العلماني بحركة النهضة هو بسبب عدم استجابة الحركة للضغوط الرامية إلى مطاردة السلفيين وتقييد حرياتهم.

يجري الآن تشكيل حكومة جديدة، برئاسة وزير الداخلية علي العريض، وهو أحد قيادات حركة النهضة الذي قضى ما يزيد على العشرين عاما في السجون، ولكن الواقع في تونس مرتبك ومتشابك، فالمعارضة من جانبها غير قادرة على اتخاذ خطوات من شأنها أن تسقط حركة النهضة أو تعرقل مساعي إعداد الدستور، إلا أنها تقوم بتهييج النقابات العمالية ودفعها إلى الإضراب والعصيان المدني، وهو ما يؤثر سلبا على اقتصاد البلاد، كما أن حركة النهضة وحلفائها لم يعودوا بالقوة التي كانوا عليها في السابق، خصوصا بعدما ظهر صراع أقطاب داخل حركة النهضة من جهة، وصراع بينها وبين شريكي الحكم من جهة أخرى.

سيناريوهات محتملة

وفي ظل هذا الوضع المتشابك، فإننا أمام عدة سيناريوهات لمستقبل العملية السياسية في تونس، يأتي على رأسها التهدئة بين الأطراف السياسية المختلفة، ونجاح العريض في تشكيل الحكومة الجديدة، لتقوم بعد ذلك بممارسة مهامها على الوجه الذي تقرره، وهذا السيناريو يحتاج تقديم تنازلات من كافة الأطراف السياسية، إلا أن هذا السيناريو سيواجه أيضا العديد من العقبات، يأتي على رأسها إصرار التيار العلماني على دفع الحكومة للاصطدام بالتيارات السلفية، في الوقت الذي يرفض فيه بعض أنباء التيار السلفي "على العريض" بشخصه كرئيس للحكومة.

أما السيناريو الثاني الذي قد تنتظره تونس، فهو فشل الحكومة الجديدة والدخول في مرحلة الفوضى والعنف الممنهج، فإذا فشلت مساعي العريض في تشكيل حكومة جديدة في ظل الصراع السياسي الحالي، فإن سيفتح الباب على مصراعيه للمزيد من الفوضى الأمنية، وحالات العنف والاغتيالات السياسية، وهذا السيناريو ليس بعيدا عن الواقع، إذ أن قتلة "بلعيد" لا يزالون أحرارا لم يتم اعتقالهم، ولا معرفة من يقف وراءهم على وجه التحديد، كما ظهرت منظمة يسارية سرية تتبنى العنف وسيلة لتحقيق أهدافها، وهي منظمة "الألوية الحمراء" وقد أكدت في بيانها التأسيسي أنه تم تحديد عدة أهداف سيتم تصفيتها في الوقت والمكان المناسبين، علما أن اسم "الألوية الحمراء" يعود إلى منظمة سرية إيطالية ظهرت في العام 1970 في مدينة ميلانو، وقد نفذت العديد من العمليات المسلحة خلال الفترة ما بين عامي 1970 و1988، أبرزها عملية إغتيال رئيس الوزراء الإيطالي ألدو مورو في العام 1978.

وفي حال تحقق هذا السيناريو المرعب –لا قدر الله- فستدخل تونس في غياهب حرب أهلية، تأكل الأخضر واليابس، وربما تنجر بعض التيارات السلفية إلى ذات المستنقع، على الأقل دفاعا عن أنفسهم وعن هوية البلاد ومستقبلها.

ويبقى الانقلاب العسكري كسيناريو أخير متوقع نتيجة تطور الأحداث في تونس، إذ أن الوصول إلى مرحلة الفوضى سيدفع الحكومة التونسية إلى استدعاء الجيش للنزول إلى الشارع لضبط الأمن، وهنا قد يستغل الجيش تلك الفرصة للإطاحة بالحكومة والسيطرة على مقاليد البلاد، فلا تزال القيادات الأمنية والعسكرية على حد سواء إما علمانية أو موالية للتيار العلماني، وهو ما صرح به الغنوشي نفسه في لقائه المثير للجدل مع الرموز السلفية.

توصيات

إن الواقع السياسي في تونس يفرض على حركة النهضة والتيار الإسلامي بكافة فصائله وتنظيماته، التعامل بمنتهى الحكمة والتعقل والتروي، فلابد أولا من وجود نوع من التواصل بين كافة هذه الفصائل، لضمان عدم الوقيعة بينهم من قبل التيارات التي تسعى لتأجيج الصراع الإسلامي الإسلامي، وعدم الانجرار إلى أي شكل من أشكال العنف من قبل الجماعات السلفية أو الرد على الاستفزازات العلمانية، وترك التصدي لأي حادث من قبل العلمانيين إلى القوى الأمنية، في مقابل توقف الأجهزة الأمنية عن مطاردة قادة التيارات السلفية غير المدانين في أي تهم، وإطلاق سراح من لم يحاكم منهم أو غير المدانين.

كما ينبغي على حركة النهضة أن تقدم بعض التنازلات التي تمكنها من تخفيف حدة التوتر السياسي في البلاد، وذلك من خلال توسيع الائتلاف الحكومي الجديد بأكبر قدر ممكن، وضم الأحزاب الوسطية ويسار الوسط، بالإضافة إلى شخصيات مستقلة لها وزنها ومكانتها وكفاءتها المعروفة، بحيث تحظى الحكومة بدعم شعبي وسياسي واسع، ثم تتجه الحكومة فورا إلى حل التخفيف من العبء الاقتصادي والأمني الذي يعاني منه المواطن التونسي.

وبالتوازي مع ذلك، يجب أن يتم العمل على الانتهاء بأسرع قدر ممكن من المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، وذلك بالانتهاء من صياغة الدستور الجديد وعرضه على الشعب للموافقة عليه، والانتهاء من بناء مؤسسات الدولة وإجراء الانتخابات الجديدة، لتبدأ تونس مرحلة سياسية جديدة، على أسس واضحة وثابتة.


-- 
نحن قوم أعزنا الله بالاسلام فإن ابتغينا العزة فى غيره أذلنا الله



الثلاثاء، 5 مارس، 2013

ربيع العراق..السُّنَّةُ ينتفضون والمالكي يترنح

ربيع العراق..السُّنَّةُ ينتفضون والمالكي يترنح

http://albayan.co.uk/MGZarticle.aspx?ID=2592 

لأول مرة منذ أن سقط العراق في يد الاحتلال الأمريكي الصليبي، يخرج مئات الآلاف من أهل السنة في مظاهرات حاشدة في معظم المحافظات ذات الأغلبية السنية، ليعلنوا عن هبة ضد الظلم والطغيان والاضطهاد الذي يتعرضون له على أيدي عصابات نوري المالكي الشيعي المذهب، المعروف بولائه لإيران، وليعلنوا مطالبهم بكل صراحة ووضوح، دون سابق إنذار أو مؤشرات لهذه الهبة الكبيرة، لاستعادة الحقوق وتصحيح المسار.

لقد تعرض المسلمون السنة في العراق للكثير من الظلم على أيدي الاحتلال الأمريكي ووكلائه من بعده، ذلك لأنهم رفضوا الاحتلال وأعلنوا الجهاد ضده، فتكالب عليهم المرتزقة من كل حدب وصوب، ووجهوا جميعاً سهامهم لأهل السنة، فاغتصبت نساؤهم، وشرد شبابهم، وقتل شيوخهم، وذبح أطفالهم، فاستشهد منهم مئات الآلاف، وامتلأت بهم السجون والمعتقلات، وقصفت مدنهم، ودكت بيوتهم، وما أحداث الفلوجة والرمادي والأنبار وصلاح الدين وغيرها عنا ببعيد.

ولقد سعى الاحتلال خلال وجوده إلى إعادة تشكيل العراق من جديد، ليجعل من حلفائه الشيعة أصحاب الكلمة الأولى والأخيرة في البلاد، فكان دستور «بريمر»، الذي جعل النظام السياسي في البلاد قائماً على المحاصصة الطائفية، والذي وافق عليه بعض القادة السياسيين السنة، وعلى رأسهم طارق الهاشمي والحزب الإسلامي الذي كان يمثله، وغيره، وهو ذات الدستور الذي مكن نوري المالكي وأمثاله من رقاب أهل السنة، وكانت حجتهم وقتئذ أنه يمكن تعديله بعد الموافقة عليه، لكن كيف يتم هذا وأي تعديل فيه سيحتاج إلى موافقة 70 في المائة من الشعب، وبشرط عدم اعتراض ثلاث محافظات، ما يعني استحالة تعديله حتى بعد مائة عام، إلا أن تتغير التركيبة السكانية بالكامل؟

لجأ الاحتلال الأمريكي وحلفاؤه الشيعة إلى مطاردة الرموز السنية المجاهدة التي لم تقبل أن تشارك في هذه العملية السياسية الهزلية، وفقاً للقواعد التي وضعها الاحتلال لتحقيق أهدافه، وكان على رأس المطارَدين رئيس الوقف السني الدكتور عدنان الدليمي، والشيخ حارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق، الذي كان يرى أن هذا الدستور يمثل لغماً لتفجير الوضع العراقي، ويمهد لتقسيم العراق إلى دويلات متناحرة بما يصب في النهاية لخدمة الاحتلال وأعوانه في المنطقة، ولم يستمع ساسة السنة في العراق إلى نداءات ذلك الشيخ، بل صمتوا على مطاردته وإخوانه، وربما كانوا راغبين في ذلك.

صار أهل السنة في العراق بين فكي كماشة، فساستهم لا يهتمون لأمرهم، فرغم أنه صار منهم وزراء وكبار مسؤولين، وعلى رأسهم طارق الهاشمي نائب الرئيس السابق، وصالح المطلك نائب رئيس الوزراء، وأسامة النجيفي رئيس الوزراء العراقي؛ إلا أن السجون ظلت تعج بعشرات الألوف من أهل السنة، تنتهك فيها الحرمات وتغتصب فيها الحرائر، دون أن يحرك أحد من هؤلاء ساكناً، كما تركوا الشيعة يسيطرون على جميع المناصب القيادية في الدولة وإقصاء ممثلي السنة عن أهم وأفضل المناصب القيادية في الدولة، وفي أهم مؤسساتها من الجيش والشرطة والوزارات المختلفة، فعلى سبيل المثال هناك 24 مديراً عاماً في وزارة التعليم العالي، واحد منهم فقط سني، ويتكون الجيش من 16 فرقة لا يوجد من بين قادة هذه الفرق سني واحد.

ما إن انقضت أهمية هؤلاء الساسة لدى نوري المالكي، حتى سارع في تلفيق قضية لهم، وبدأ بطارق الهاشمي، عندما طالب أهل السنة بإقامة أول إقليم لهم في محافظة صلاح الدين، حسبما ينص الدستور، ثم تلتها الأنبار والموصل ثم ديالى، وطورد طارق الهاشمي، ثم حكم عليه بالإعدام، وتخلى حلفاؤه عنه، وبعد عام أعاد المالكي الكرة من جديد، واعتقل عناصر حماية رافع العيساوي وزير المالية السني، بنفس التهم التي وجهت للهاشمي من قبل.

خلال كل تلك الفترة، كان الشارع السني يتلقى الضربات في سكون، بعدما نجح الاحتلال الأمريكي وحلفاؤه الشيعة مع بعض الخونة في توجيه ضربات قوية للمقاومة، وبشكل خاص بعد تشكيل ما يسمى «الصحوات» التي أثرت بشكل كبير في قدرات المقاومة، وعندما خرج الاحتلال الأمريكي، التزم الشارع السني السكون، إلا أنه فجأة وبعيداً عن كل التوقعات، ثارت ثائرته، واندلعت التظاهرات في المظاهرات السنية، وعادت الحياة إلى الفلوجة، فانتفضت برجالها، وانتفضت نينوى والرمادي والأنبار وصلاح الدين، وخرج مئات الآلاف من السنة في مظاهرات مستمرة يومياً، وقام بعضهم بالاعتصام.

هذا الحراك السني الكبير في العراق اليوم يشكل مأزقاً كبيراً لنوري المالكي وعصابته، فالرجل نجح بامتياز في خلق المزيد من العداوات له، فمن ناحية خلق أزمة مع إقليم كردستان العراق، وأصبحت العلاقة بينهما متوترة، وينتظر قادة الإقليم الفرصة لسحب الثقة منه والإطاحة به من منصبه، ومن ناحية أخرى اصطنع أزمة مع تركيا، وصار يناكف رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان، ويسعى إلى تحقيق نوع من الضغط عليه عبر فتح خطوط تواصل مع المعارضة التركية، إضافة إلى ترنح النظام السوري، وقرب سقوطه، وتصاعد الأزمة الاقتصادية في حليفته الرئيسية إيران، بسبب العقوبات الدولية المفروضة عليها.

وإن تلك الأزمة التي يعيشها المالكي ستدفعه إلى محاولة إفشال الربيع العراقي مبكراً، وإفساد ذلك الحراك وإجهاض الانتفاضة السنية بأي شكل من الأشكال، وقد بدأ المالكي بتهديد أئمة المساجد وبعض مجالس المحافظات السنية الداعمين والداعين لهذه التظاهرات، ثم بدأ بتشويه التظاهرات، وإلقاء التهم عليها جزافاً، ثم تهديد المتظاهرين بالعنف وإطلاق النار عليهم بشكل محدود نسبياً في بعض المناطق، لكنه لم ينجح في ذلك حتى الآن.

أمام المالكي اليوم خياران لإجهاض تلك الانتفاضة السنية، أولها هو سبيل القوة، ويبدأ بتخوين المتظاهرين، ومحاولة تصوير الأمر على أنه ثورة طائفية، وربما يقوم ببعض التفجيرات في المناطق الشيعية، تتبعها حملة أمنية كبيرة على المتظاهرين والمعتصمين، مراهناً على رد فعلهم، فإما أنهم سينفضّون وتنتهي الأزمة، أو أنهم سيلجأون إلى الدفاع عن أنفسهم بصد العنف وحمل السلاح، وبهذا سيصورهم على أنهم إرهابيون مجرمون يريدون إسقاط الدولة، وغير ذلك من الشعارات الكاذبة التي يبرع في استخدامها.

أما الخيار الثاني فهو استخدام الأساليب الناعمة في تفريق المتظاهرين، وذلك من خلال بعض الساسة المشبوهين الذين لا يعرفون سوى مصالحهم الشخصية، أو أن يرسل إليهم من يظنونه منهم، فيخالف مطالبهم الواضحة التي يتحرج المالكي من إنكارها، ويطالب بأخرى ذات صبغة طائفية واضحة، أو تثير الفرقة فيما بينهم، أو أن يعلن قبول بعض المطالب دون بعض، مستهدفاً بذلك استمالة بعض المتظاهرين إليه وتخليهم عن الحراك الحالي، فإذا ما انتهت الأزمة تنكر للجميع، وهيهات أن يستعيدوا ذلك الحراك مرة أخرى.

إن أمام سنة العراق تحديات عظيمة لاستمرار ذلك الحراك الكبير، يأتي على رأسها ضرورة عدم تسليم قيادة تلك الجموع إلى أي قيادة سياسية ممن شاركت في العملية السياسية على مدار الفترة الماضي، فهذا الحراك هو حراك شعبي بامتياز، لا تحركه مجموعة الساسة الذين كانوا شركاء فيما وصل إليه حال سنة العراق، وليس سببه، كما يروج بعضهم، هو ما تعرض له وزير المالية «رافع العيساوي»، بل كان ذلك فقط نقطة الانطلاق وليس السبب، ولهذا يجب أن يبعد أمثال هؤلاء عن المشهد الثوري تماماً، ولقد جربهم أهل السنة على مدار سنوات ولم يحققوا لهم أي إنجاز.

كذلك ينبغي على المتظاهرين الحذر بشدة من جميع الفصائل السياسية في العراق، وبشكل خاص التيار الصدري، فهو يلعب دوراً مشبوهاً في العملية السياسية في العراق، ولا يمكن الجزم بأنه مع هذا أو ذاك، لكنه في كل أزمة يتظاهر بالوقوف في وجه المالكي ويتحالف مع الطرف الآخر، ثم فجأة يتراجع ويترك ذلك الطرف وحيداً، وقد حدث ذلك في أكثر من موقف، منها موقفه من مطالب القائمة العراقية وقتما ثارت أزمة الهاشمي وإعلانه دعم مطالبهم وحق السنة في إقامة الأقاليم ثم تراجعه بعد ذلك، تلا ذلك تحالفه مع الأكراد العام المنقضي لسحب الثقة من نوري المالكي ثم تراجعه؛ فالصدر يريد أن يصور نفسه اليوم على أنه إحدى أضلاع هذا الربيع العراقي، والخشية كل الخشية أن يكون سبباً في إفساد هذا الحراك.

إن استمرار هذا الحراك الثوري يتطلب صد ألاعيب نوري المالكي في جر الثوار إلى العنف، من خلال استفزازهم بتصرفاته المعروفة، فبقاء هذا الحراك الثوري سلمياً قدر الإمكان هو أكثر ما يهدد حصون المالكي، ويؤدي إلى تفكك تحالفاته السياسية، ويمنعه من فرصة التذرع بضرورة مواجهة المتظاهرين حفاظاً على أمن البلاد، أما إن لجأ هو إلى العنف على نطاق واسع، فها هنا يجب التصدي له ولعصاباته.

وعلى أهل السنة في العراق أن يصمدوا حتى تحقيق أهدافهم، وعلى رأسها رحيل نوري المالكي نهائياً، وعليهم ألا يتفاوضوا على هذا المطلب أياً كانت الظروف، وأن يهددوا بتصعيد الأمور تدريجياً، وألا يكشفوا أوراقهم مرة واحدة؛ حتى لا يفسد حراكهم ويتراجعوا بعد ذلك، فإنهم إن تراجعوا اليوم دون تحقيق الأهداف الرئيسية، فلن يكون لهذا الحراك أي معنى أو نتيجة إيجابية، بل سيكون فرصة للمالكي وعصاباته لمعرفة القيادات أو الهيئات أو الجماعات المؤثرة في أهل السنة وتصفيتها تماماً، حتى لا يقوموا بأي حراك مستقبلي.

وأخيراً، لقد حان الوقت لعودة قادة أهل السنة ورموزهم الحقيقيين ليقوموا بدورهم في استعادة الحقوق المنهوبة ورفع الظلم والاضطهاد، فعلى المتظاهرين أن يجعلوا من ضمن أهدافهم عودة الشيخ حارث الضاري والدكتور عدنان الدليمي، وغيرهما من أهل الفضل والسبق والجهاد.




-- 
نحن قوم أعزنا الله بالاسلام فإن ابتغينا العزة فى غيره أذلنا الله