يهمنا رأيك

زائرنا الكريم، زيارتك تشرفنا، وتعليقك على المحتوى يسعدنا، فأيا كان رأيك، متفقا معنا أو مختلف، فنحن نرحب به ونضعه نصب أعيننا، طالما كان بعيدا عن السب والتجريح
**مجدي داود**

الخميس، 7 نوفمبر، 2013

خطاب هنية.. تجاهل لأزمة حماس أم إدارتها

"قاوم" خاص - جاء خطاب رئيس الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة ونائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس «إسماعيل هنية» في ذكرى صفقة وفاء الأحرار، ليرسم ما يمكن اعتباره "خارطة مستقبل" لحركة حماس في الفترة المقبلة، في ظل التقلبات السياسية التي تعصف بالمنطقة، والتي تؤثر بالطبع على الحركة المقاومة، التي تنتمي جذورها إلى جماعة الإخوان المسلمين.

خطاب هنية الذي استمر ما يزيد على الساعة ونصف الساعة، أثار جدلاً كبيرًا، حيث رأى البعض أن الخطاب يتجاهل الأزمة الكبيرة التي تعاني منها الحركة الإسلامية في فلسطين وخارجها، وأنه خطاب متعجرف لقيادة بائسة ويائسة، فيما رأى آخرون أنه خطاب حكيم عاقل، تمد فيه الحركة يدها إلى بني جلدتها لتوحيد الصفوف من أجل خدمة القضية الفلسطينية واستمرار المقاومة ودعمها في ظل هذه الظروف الصعبة محليًا وإقليميًا ودوليًا.

الاعتراف بالأزمات:

بالنظر إلى خطاب هنية، نجد اعترافًا صريحًا بأن الحركة تمر بأزمات عديدة، عددها هنية في خطابه بشيء من التفصيل كما يلي:

1.            الأزمة مع مصر، والتحريض الإعلامي المصري المتواصل على الحركة ليلاً ونهارًا، وتصويرها على أنها عدو لمصر وشعبها وتريد الشر لجيشها، وما تقوم به السلطات من هدم متواصل للأنفاق قد أدى إلى نقص حاد في مواد الغذاء والوقود والبناء مما يعيد الصورة القديمة للحصار وتزايد النقص في الدواء والغذاء ومتطلبات الحياة اليومية، وعدم الانتظام بفتح معبر رفح، ومنع دخول القوافل التي تحمل المساعدات من غذاء ودواء.

2.            التقلبات السياسية التي تمر بها المنطقة بصفة عامة في ظل انتفاضات الشعوب العربية ومحاولات إجهاضها، وموقف حماس من تلك التقلبات، وتأثيرها على الحركة، مشيرًا إلى توتر العلاقة مع بعض الدول، وما يتردد عن أنها فقدت حلفاءها وعلاقاتها السياسية، وأن قياداتها تبحث عن المأوى والانتقال من قطر أو غيرها إلى مواقع أخرى، وأنها تغازل هذا النظام أو ذاك وترتب أوراقها وتراجع مواقفها تمهيدًا للعودة في علاقاتها إلى تلك الدولة أو ذلك الحليف، وأن هناك خلافات داخل الحركة حول هذا الموضوع.

3.            الواقع الفلسطيني وأزمة إدارة قطاع غزة، والأزمة المالية التي تمر بها، والظروف المأساوية التي يعيشها أهالي قطاع غزة، ومحاولات بعض القوى استنتساخ تجربة "إقليمية" في القطاع، في إشارة إلى حركة "تمرد غزة" التي تسعى إلى إسقاط حكم حركة حماس في القطاع، والانقسام داخل الساحة الفلسطينية والضربات الأمنية الصهيونية التي تلاحقها بمعاونة ومساعدة أجهزة أمن السلطة، وغير ذلك.

الأزمات تطال الجميع:

لم تتجاهل حركة حماس إذن، الأزمات الكبيرة التي تعاني منها، والتي ليست بالجديدة عليها على أية حال، ولكنها وضعت تلك الأزمات في إطارها الصحيح، فليست وحدها التي تعاني من أزمات كثيرة وكبيرة، فكافة القوى والتيارات السياسية في المنطقة برمتها قد تأثرت بشكل أو بآخر بما تشهده المنطقة منذ مطلع عام 2011، وهي وإن كانت قد تأثرت بهذه التقلبات، فإن المنطقة لا تزال في طور التشكيل من جديد، وتشهد حالة من السيولة السياسية لم تشهدها منذ عقود، فالتحالفات السياسية تتغير وتتبدل، ومن كانوا بالأمس أعداء صاروا اليوم أصدقاء.

تدرك حماس جيدًا أن هناك تغيرًا ملحوظًا في السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وأن الكثير من الدول التي تتخذ من الحركة موقفًا عدائيًا، قد تقوم خلال الفترة المقبلة بفتح جسور التواصل مع الحركة بشكل مباشر أو غير مباشر، خاصة مع مؤشرات تقليص النفوذ الأمريكي في المنطقة لصالح النفوذ الإيراني، والدور التركي المتصاعد، والدبلوماسية القطرية الواعدة، التي تكاد تتصدر الدبلوماسيات العربية جميعًا.

في الوقت نفسه، فإن السلطة الفلسطينية وحركة فتح في رام الله، ليست بأفضل حال من حماس في غزة على الرغم من الدعم الأمريكي الصهيوني المتواصل، ماليًا وسياسيًا وأمنيًا واستخباراتيًا، فالسلطة لم تحقق بعد أي إنجاز، على الرغم من مرور عشرين عامًا على التوقيع على اتفاقية «أوسلو 1993»، فلا هي تقاوم ولا تسمح للمقاومة بالعمل في الضفة، ولا هي حققت بالمفاوضات أيًا من مطالب الشعب الفلسطيني، بل إن الغضب يتزايد ضدها يومًا بعد يوم بسبب ما تشهده الضفة من انتهاكات صهيونية بمعاونة أجهزة أمن السلطة، بينما تتواصل عمليات اقتحام المغتصبين الصهاينة للأقصى بشكل شبه يومي.

من هذا المنطلق، فإن حركة حماس تقوم هذه الفترة بعملية إدارة الأزمات التي تعاني منها، إلى أن تتحين الفرصة المناسبة بتسوية كل أزمة منها على حدة.

الخطوط العريضة:

خطاب إسماعيل هنية احتوى على ما يمكن اعتباره خطوطًا عريضة لحركة حماس، سواء في علاقاتها الإقليمية أو المحلية، تساهم في عملية إدارة الأزمات وحلها، يمكن تلخيصها فيما يلي:

أوأولاً- علي الصعيد الإقليمي:

-                تتخذ حماس موقفًا ثابتًا من كل الدول العربية والإسلامية وبخاصة المجاورة لها، يقوم على أساس من الاحترام المتبادل وتقدير خصوصية الآخر وعدم التدخل في الشأن الداخلي لهذه الدول، وعدم انحراف المقاومة الفلسطينية عن هدفها السامي وهو مواجهة العدو ونيل الاستقلال والتحرير، مع الحرص الشديد على الأمن القومي للأمة كلها ومصالحها وأمن ومصالح دولها المختلفة.

-                إقامة علاقات سياسية متوازنة مع كل الدول العربية والإسلامية، باعتبارها العمق الإستراتيجي للقضية والشعب الفلسطيني، والانفتاح والتواصل مع الجميع، وعدم الاصطفاف مع دولة ضد دولة أو محور ضد آخر.

-                تمسك الحركة بمرجعيتها الإسلامية وجذور تاريخها المتشابكة مع الحركات الإسلامية التي لعبت دورًا مؤثرًا في نشر الصحوة الإسلامية منذ مطلع القرن الماضي، وتتلمذ على كتابات قادتها ومفكريها كل شباب الحركات الإسلامية ومجاهديها.

-                تمسك الحركة بموقفها المتعاطف مع الحراك الشعبي العربي ورموزه الإسلامية والوطنية والذي كان للإسلاميين فيه دورٌ كبيرٌ إلى جانب القوى والتيارات الأخرى.

-                عدم التدخل في شأن أي دولة عربية أو الوقوف إلى جانب تيار أو فصيل أو حزب دون آخر، وإقامة علاقات مع العديد من القوى والأحزاب السياسية.

-                العمل على تحييد أبناء الشعب الفلسطيني في المخيمات وفي أماكن وجوده في الدول العربية من الدخول في الصراعات والأزمات الجارية فيها، وبذل مختلف الجهود التي تنأى بالمخيمات عن تلك الصراعات وتمنع من الانزلاق إليها.

-                وفيما يخص العلاقة مع مصر، جدد هنية التأكيد على عدم تدخل حماس أو القسام في الشأن الداخلي المصري، معلنًا استعداد حماس لتقديم أي معلومات من شأنها حماية الأمن القومي المصري، ومنع الأخطار عنها، وحق مصر في اتخاذ الإجراءات التي تراها مناسبة لحماية أمنها على ألاَّ تكون هذه الاجراءات على حساب غزة ومقاومتها، وفتح معبر رفح بصورة كاملة للحركة التجارية والأفراد كإجراء سيادي مصري لكي يستغني أبناء غزة عن الأنفاق، والحرص على عدم الانجرار إلى معارك إعلامية أو سياسية مع أحد.

ثانيًا- على المستوى الفلسطيني:

-       تجديد الدعوة للمصالحة الفلسطينية الشاملة، وإنهاء الانقسام مع التركيز على الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية، وتحديد موعد لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني لمنظمة التحرير وتوفير الأجواء الداخلية والحريات العامة اللازمة لإجرائها، والتوافق على البرنامج الوطني وإدارة القرار السياسي الفلسطيني والبرنامج النضالي لمواجهة الاحتلال ومقاومته.

-       التأكيد على مواجهة أي محاولة لاستنساخ ما حدث في مصر، وفشل أي سيناريو لا علاقة له بالواقع الفلسطيني وخصوصية مساره التحرري، ما يعني أن الحركة لن تتسامح مع ما يسمى "تمرد غزة" ولن تسمح بتكرار ما حدث في مصر على أراضي غزة مرة أخرى.

-       التمسك بالثوابت الفلسطينية وعلى رأسها عودة القدس كاملة، وقيام الدولة الفلسطينية على كامل التراب الفلسطيني على أساس دولة كاملة السيادة، مع عودة اللاجئين وحقهم في العيش داخل وطنهم الأم فلسطين ورفض كل مشاريع التوطين والوطن البديل، ورفض أي مشاريع لحل جزء من مشكلة الشعب الفلسطيني على حساب لبنان أو الأردن أو سوريا أو سيناء.

-       التمسك بالمقاومة المسلحة في مواجهة العدو الصهيوني، التي تمثل الثابت الإستراتيجي في بحر الصراع ومتغيراته المتقلبة، والعمل على تحرير كافة الأسرى والأسيرات من سجون الاحتلال.

هذه الخطوط العريضة التي أعلنها أحد رؤوس حماس، جاءت بعد دراسة متأنية للواقع داخل أروقة الحركة وهيئاتها القيادية المختلفة، وبها تستطيع الحركة أن تدير الأزمات الحالية التي تمر بها، بشكل يضمن عدم تقديم تنازلات مؤلمة تضر بمسيرتها ونضالها ضد الاحتلال الصهيوني، إلى حين تغير الأوضاع السياسية وموازين القوى في المنطقة.

نشر أولا بموقع الحملة العالمية لمقاومة العدوان