يهمنا رأيك

زائرنا الكريم، زيارتك تشرفنا، وتعليقك على المحتوى يسعدنا، فأيا كان رأيك، متفقا معنا أو مختلف، فنحن نرحب به ونضعه نصب أعيننا، طالما كان بعيدا عن السب والتجريح
**مجدي داود**

الخميس، 7 نوفمبر، 2013

خطاب هنية.. تجاهل لأزمة حماس أم إدارتها

"قاوم" خاص - جاء خطاب رئيس الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة ونائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس «إسماعيل هنية» في ذكرى صفقة وفاء الأحرار، ليرسم ما يمكن اعتباره "خارطة مستقبل" لحركة حماس في الفترة المقبلة، في ظل التقلبات السياسية التي تعصف بالمنطقة، والتي تؤثر بالطبع على الحركة المقاومة، التي تنتمي جذورها إلى جماعة الإخوان المسلمين.

خطاب هنية الذي استمر ما يزيد على الساعة ونصف الساعة، أثار جدلاً كبيرًا، حيث رأى البعض أن الخطاب يتجاهل الأزمة الكبيرة التي تعاني منها الحركة الإسلامية في فلسطين وخارجها، وأنه خطاب متعجرف لقيادة بائسة ويائسة، فيما رأى آخرون أنه خطاب حكيم عاقل، تمد فيه الحركة يدها إلى بني جلدتها لتوحيد الصفوف من أجل خدمة القضية الفلسطينية واستمرار المقاومة ودعمها في ظل هذه الظروف الصعبة محليًا وإقليميًا ودوليًا.

الاعتراف بالأزمات:

بالنظر إلى خطاب هنية، نجد اعترافًا صريحًا بأن الحركة تمر بأزمات عديدة، عددها هنية في خطابه بشيء من التفصيل كما يلي:

1.            الأزمة مع مصر، والتحريض الإعلامي المصري المتواصل على الحركة ليلاً ونهارًا، وتصويرها على أنها عدو لمصر وشعبها وتريد الشر لجيشها، وما تقوم به السلطات من هدم متواصل للأنفاق قد أدى إلى نقص حاد في مواد الغذاء والوقود والبناء مما يعيد الصورة القديمة للحصار وتزايد النقص في الدواء والغذاء ومتطلبات الحياة اليومية، وعدم الانتظام بفتح معبر رفح، ومنع دخول القوافل التي تحمل المساعدات من غذاء ودواء.

2.            التقلبات السياسية التي تمر بها المنطقة بصفة عامة في ظل انتفاضات الشعوب العربية ومحاولات إجهاضها، وموقف حماس من تلك التقلبات، وتأثيرها على الحركة، مشيرًا إلى توتر العلاقة مع بعض الدول، وما يتردد عن أنها فقدت حلفاءها وعلاقاتها السياسية، وأن قياداتها تبحث عن المأوى والانتقال من قطر أو غيرها إلى مواقع أخرى، وأنها تغازل هذا النظام أو ذاك وترتب أوراقها وتراجع مواقفها تمهيدًا للعودة في علاقاتها إلى تلك الدولة أو ذلك الحليف، وأن هناك خلافات داخل الحركة حول هذا الموضوع.

3.            الواقع الفلسطيني وأزمة إدارة قطاع غزة، والأزمة المالية التي تمر بها، والظروف المأساوية التي يعيشها أهالي قطاع غزة، ومحاولات بعض القوى استنتساخ تجربة "إقليمية" في القطاع، في إشارة إلى حركة "تمرد غزة" التي تسعى إلى إسقاط حكم حركة حماس في القطاع، والانقسام داخل الساحة الفلسطينية والضربات الأمنية الصهيونية التي تلاحقها بمعاونة ومساعدة أجهزة أمن السلطة، وغير ذلك.

الأزمات تطال الجميع:

لم تتجاهل حركة حماس إذن، الأزمات الكبيرة التي تعاني منها، والتي ليست بالجديدة عليها على أية حال، ولكنها وضعت تلك الأزمات في إطارها الصحيح، فليست وحدها التي تعاني من أزمات كثيرة وكبيرة، فكافة القوى والتيارات السياسية في المنطقة برمتها قد تأثرت بشكل أو بآخر بما تشهده المنطقة منذ مطلع عام 2011، وهي وإن كانت قد تأثرت بهذه التقلبات، فإن المنطقة لا تزال في طور التشكيل من جديد، وتشهد حالة من السيولة السياسية لم تشهدها منذ عقود، فالتحالفات السياسية تتغير وتتبدل، ومن كانوا بالأمس أعداء صاروا اليوم أصدقاء.

تدرك حماس جيدًا أن هناك تغيرًا ملحوظًا في السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وأن الكثير من الدول التي تتخذ من الحركة موقفًا عدائيًا، قد تقوم خلال الفترة المقبلة بفتح جسور التواصل مع الحركة بشكل مباشر أو غير مباشر، خاصة مع مؤشرات تقليص النفوذ الأمريكي في المنطقة لصالح النفوذ الإيراني، والدور التركي المتصاعد، والدبلوماسية القطرية الواعدة، التي تكاد تتصدر الدبلوماسيات العربية جميعًا.

في الوقت نفسه، فإن السلطة الفلسطينية وحركة فتح في رام الله، ليست بأفضل حال من حماس في غزة على الرغم من الدعم الأمريكي الصهيوني المتواصل، ماليًا وسياسيًا وأمنيًا واستخباراتيًا، فالسلطة لم تحقق بعد أي إنجاز، على الرغم من مرور عشرين عامًا على التوقيع على اتفاقية «أوسلو 1993»، فلا هي تقاوم ولا تسمح للمقاومة بالعمل في الضفة، ولا هي حققت بالمفاوضات أيًا من مطالب الشعب الفلسطيني، بل إن الغضب يتزايد ضدها يومًا بعد يوم بسبب ما تشهده الضفة من انتهاكات صهيونية بمعاونة أجهزة أمن السلطة، بينما تتواصل عمليات اقتحام المغتصبين الصهاينة للأقصى بشكل شبه يومي.

من هذا المنطلق، فإن حركة حماس تقوم هذه الفترة بعملية إدارة الأزمات التي تعاني منها، إلى أن تتحين الفرصة المناسبة بتسوية كل أزمة منها على حدة.

الخطوط العريضة:

خطاب إسماعيل هنية احتوى على ما يمكن اعتباره خطوطًا عريضة لحركة حماس، سواء في علاقاتها الإقليمية أو المحلية، تساهم في عملية إدارة الأزمات وحلها، يمكن تلخيصها فيما يلي:

أوأولاً- علي الصعيد الإقليمي:

-                تتخذ حماس موقفًا ثابتًا من كل الدول العربية والإسلامية وبخاصة المجاورة لها، يقوم على أساس من الاحترام المتبادل وتقدير خصوصية الآخر وعدم التدخل في الشأن الداخلي لهذه الدول، وعدم انحراف المقاومة الفلسطينية عن هدفها السامي وهو مواجهة العدو ونيل الاستقلال والتحرير، مع الحرص الشديد على الأمن القومي للأمة كلها ومصالحها وأمن ومصالح دولها المختلفة.

-                إقامة علاقات سياسية متوازنة مع كل الدول العربية والإسلامية، باعتبارها العمق الإستراتيجي للقضية والشعب الفلسطيني، والانفتاح والتواصل مع الجميع، وعدم الاصطفاف مع دولة ضد دولة أو محور ضد آخر.

-                تمسك الحركة بمرجعيتها الإسلامية وجذور تاريخها المتشابكة مع الحركات الإسلامية التي لعبت دورًا مؤثرًا في نشر الصحوة الإسلامية منذ مطلع القرن الماضي، وتتلمذ على كتابات قادتها ومفكريها كل شباب الحركات الإسلامية ومجاهديها.

-                تمسك الحركة بموقفها المتعاطف مع الحراك الشعبي العربي ورموزه الإسلامية والوطنية والذي كان للإسلاميين فيه دورٌ كبيرٌ إلى جانب القوى والتيارات الأخرى.

-                عدم التدخل في شأن أي دولة عربية أو الوقوف إلى جانب تيار أو فصيل أو حزب دون آخر، وإقامة علاقات مع العديد من القوى والأحزاب السياسية.

-                العمل على تحييد أبناء الشعب الفلسطيني في المخيمات وفي أماكن وجوده في الدول العربية من الدخول في الصراعات والأزمات الجارية فيها، وبذل مختلف الجهود التي تنأى بالمخيمات عن تلك الصراعات وتمنع من الانزلاق إليها.

-                وفيما يخص العلاقة مع مصر، جدد هنية التأكيد على عدم تدخل حماس أو القسام في الشأن الداخلي المصري، معلنًا استعداد حماس لتقديم أي معلومات من شأنها حماية الأمن القومي المصري، ومنع الأخطار عنها، وحق مصر في اتخاذ الإجراءات التي تراها مناسبة لحماية أمنها على ألاَّ تكون هذه الاجراءات على حساب غزة ومقاومتها، وفتح معبر رفح بصورة كاملة للحركة التجارية والأفراد كإجراء سيادي مصري لكي يستغني أبناء غزة عن الأنفاق، والحرص على عدم الانجرار إلى معارك إعلامية أو سياسية مع أحد.

ثانيًا- على المستوى الفلسطيني:

-       تجديد الدعوة للمصالحة الفلسطينية الشاملة، وإنهاء الانقسام مع التركيز على الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية، وتحديد موعد لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني لمنظمة التحرير وتوفير الأجواء الداخلية والحريات العامة اللازمة لإجرائها، والتوافق على البرنامج الوطني وإدارة القرار السياسي الفلسطيني والبرنامج النضالي لمواجهة الاحتلال ومقاومته.

-       التأكيد على مواجهة أي محاولة لاستنساخ ما حدث في مصر، وفشل أي سيناريو لا علاقة له بالواقع الفلسطيني وخصوصية مساره التحرري، ما يعني أن الحركة لن تتسامح مع ما يسمى "تمرد غزة" ولن تسمح بتكرار ما حدث في مصر على أراضي غزة مرة أخرى.

-       التمسك بالثوابت الفلسطينية وعلى رأسها عودة القدس كاملة، وقيام الدولة الفلسطينية على كامل التراب الفلسطيني على أساس دولة كاملة السيادة، مع عودة اللاجئين وحقهم في العيش داخل وطنهم الأم فلسطين ورفض كل مشاريع التوطين والوطن البديل، ورفض أي مشاريع لحل جزء من مشكلة الشعب الفلسطيني على حساب لبنان أو الأردن أو سوريا أو سيناء.

-       التمسك بالمقاومة المسلحة في مواجهة العدو الصهيوني، التي تمثل الثابت الإستراتيجي في بحر الصراع ومتغيراته المتقلبة، والعمل على تحرير كافة الأسرى والأسيرات من سجون الاحتلال.

هذه الخطوط العريضة التي أعلنها أحد رؤوس حماس، جاءت بعد دراسة متأنية للواقع داخل أروقة الحركة وهيئاتها القيادية المختلفة، وبها تستطيع الحركة أن تدير الأزمات الحالية التي تمر بها، بشكل يضمن عدم تقديم تنازلات مؤلمة تضر بمسيرتها ونضالها ضد الاحتلال الصهيوني، إلى حين تغير الأوضاع السياسية وموازين القوى في المنطقة.

نشر أولا بموقع الحملة العالمية لمقاومة العدوان 



السبت، 28 سبتمبر، 2013

صفقة الكيماوي.. أمريكا وروسيا يتبادلان الصفعات في سوريا

بقلم: مجدي داود


تلكأت الولايات المتحدة وحلفاؤها في اتخاذ قرار بتوجيه ضربة عسكرية لسوريا، فبينما تخلى عنها حليفها الأوروبي الأساسي حينما اتخذ البرلمان البريطاني قرارا بعدم المشاركة في أي ضربة عسكرية ضد سوريا، بدت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما نفسها عاجزة عن اتخاذ القرار وحدها، وتريد أن تحظي بتأييد من الكونجرس الأمريكي الذي كان في فترة "العطلة"، إلا أن المؤشرات كانت تقول أن الكونجرس لن يقبل مشروع القرار الي قدمته الإدارة الأمريكية، فيما أعلن أوباما نفسه أن الضربة قد تتم في غضون أسبوع أو شهر أو أكثر من ذلك.
في ظل هذا التردد والتلكؤ الأمريكي الغربي، استغل القطب الدولي السابق "روسيا" التي تسعى لاستعادة مكانتها العالمية، هذا التردد، وقدم مبادرة لوضع ترسانة السلاح الكيماوي السوري تحت إشراف المجتمع الدولي لتجنب ضربات عسكرية غربية، وهذه المبادرة التي قدمتها روسيا بعد مباحثات بين وزير خارجيتها ووزير خارجية نظام الأسد وليد المعلم، لاقت قبولا سريعا وفوريا م نظام الأسد، حيث أعلن المعلم "ترحيب الجمهورية العربية السورية بالمبادرة الروسية انطلاقاً من حرص القيادة السورية على أمن بلدها وحياة مواطنيها، وسعياً لمنع الضربة الأميركية".
بدت روسيا وكأنها وجهت صفعة قوية لإدارة الرئيس أوباما وقدمت فرصة ذهبية لنظام الأسد، حيث أنه لن يكون مسموحا له بحال استخدام السلاح الكيماوي ضد الشعب السوري، كما أن بقاءه بات ضرورة حتمية للكيان الصهيوني وبات في مأمن من أي عدوان صهيوني، إضافة إلى أن هذا السلاح لم يستخدمه الأسد كقوة رادعة للاحتلال الصهيوني على مدار العقود الماضية، أي أنه ترسانة السلاح الكيماوي باتت عبئا على النظام السوري وليست في صالحه، ولهذا فإن وضعها تحت إشراف دولي في مقابل عدم توجيه ضربة عسكرية تنال من القدرات العسكرية للنظام، يعد مكسبا كبيرا.
الولايات المتحدة لم تفوت الفرصة، واستغلت المبادرة الروسية أفضل استغلال يحقق لها ما تريد من أهداف، فهي تعرف أنها تواجه عراقيل فيما يخص الضربة العسكرية، التي تريدها للنظام وللجماعات الإسلامية في وقت واحد، فالكونجرس غالبا لن يوافق، وبعض الدول الغربية تخلت عنها، ولهذا فإن استغلال المبادرة هو الحل الأمثل، فأوعزت إلى فرنسا لتقديم مشروع قرار لمجلس الأمن الدولي يمنح النظام السوري 15 يوما للإعلان عن جميع مخزوناته من الأسلحة الكيماوية وتدميرها في أسرع وقت ممكن، والسماح للأمم المتحدة بالتحقق من جميع الأسلحة الكيماوية المعلنة والقيام بتحقيقات إضافية في الاستخدامات المفترضة السابقة للغاز السام، وإذا لم تمتثل النظام السوري، يتبنى المجلس إجراءات ضرورية أخرى تحت الفصل السابع.
كان الرد الأمريكي باطنا الفرنسي ظاهرا على المبادرة الروسية مفاجئا لروسيا، التي رفضت عقد جلسة لمجلس الأمن لمناقشة مشروع القرار الفرنسي حيث كان من المتوقع أن يركز الاجتماع على خطة روسية لوضع الأسلحة الكيماوية السورية تحت رقابة دولية، ووصفت مشروع القرار الفرنسي بأنه مشروع "لا يمكن قبوله"، ونقل عن مسئولين دبلوماسيين أن روسيا تعارض العديد من النقاط الواردة في مشروع القرار الفرنسي الذي يضع "جدولا زمنيا لمختلف مراحل تفكيك الترسانة الكيماوية السورية"، خصوصا الإشارة الى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
بدأت روسيا تناور لتكون النتيجة في صالحها، ولكنها لم تستطيع أن تصمد أمام الإصرار الأمريكي والغربي على تدمير السلاح الكيماوي الروسي بحد أقصى العام القادم، وفق خطة زمنية تم الاتفاق عليها بعد ثلاثة أيام من المحادثات بين وزيري خارجية الولايات المتحدة وروسيا، نجحت خلالها الولايات المتحدة في توجيه صفعة لروسيا وسوريا على حد سواء، حيث لم يعد أمام بشار الأسد إلا أن يسلم ترسانته الكيماوية كاملة إلى الدول الغربية لتدميرها، أن يواجه المجتمع الدولي كافة تحت الفصل السابع بالأمم المتحدة، في حين ستصبح روسيا غير قادرة على مواجهة المجتمع الدولي وستتخلى عن حليفها مرغمة.
نجحت الولايات المتحدة بالإضافة إلى الوصول لقرار بنزع السلاح الكيماوي، في ضمان عدم وصول السلاح الكيماوي لحزب الله أو إيران عبر العراق، ذلك أن أي مراوغة من قبل النظام الأسدي ستقابل بحراك دولي رسمي من مجلس الأمن الدولي، ويجدر الإشارة في ذلك الصدد إلى إعلان كبير موظفي الكرملين السبت الماضي "سيرغي ايفانوف" بأن روسيا قد تغير موقفها حيال سوريا إذا ما تبين لها أن بشار الأسد "يخادع".
المستفيد الأكبر
إذا كان النظام الأسدي قد استفاد من هذه الصفقة في منع تعرضه لضربة عسكرية أمريكية غربية، وإذا كانت الولايات المتحدة قد استفادت بنزع السلاح الكيماوي من بين أيدي بشار الأسد في حفظ ماء وجهها وتوجيه صفعة قوية لروسيا التي تريد أن تنازعها النفوذ العالمي، فإن الطرف الأساسي الخفي في تلك الصفقة هو الكيان الصهيوني، الذي يعد هو المستفيد الأول والأخير فعليا من هذه الصفقة.
لقد ضمن الكيان الصهيوني ألا تقع الأسلحة الكيماوية في أيدي حزب الله وإيران، وعلى الرغم من أن بين الجانبين مصالح كثيرة خلف العنتريات الإعلامية والتصريحات النارية، إلا أن الكيان الصهيوني يريد أن يبقى جيشه أقوى جيش في المنطقة، لا ينازعه في ذلك أحد ولو كان من حلفائه المقربين، لأنه لا يضمن هؤلاء الحلفاء وتغير الأمزجة الشعبية في هذه الدول، وكمثال ما حدث في سوريا نفسها، فهي كانت قبل الثورة جبهة هادئة تماما ومطمئنة بالنسبة للكيان الصهيوني، إلا أن مستقبل سوريا اليوم غير معروف ولا طبيعة علاقتها مع الكيان الصهيوني، والتي لن تكون بأي حال مثلما كانت عليه قبل اندلاع الثورة في مارس 2011.
أصداء المبادرة على المعارضة السورية
كانت بعض فصائل المعارضة السورية وخصوصا السياسية منها، قد رحبت بالضربة العسكرية الأمريكية، ودفعت في اتجاهها وبذلت في سبيل ذلك كل ما تقدر عليه، ورتبت أمرها على أنها قادمة لا محالة، وبدأت تجهز نفسها لما بعد الضربة، وكيف سيكون حال النظام، وهذه الطائفة أو الطوائف التي تلاقت مصالحها على الضربة العسكرية، قد صدمت بالمبادرة الروسية والصفقة التي أبرمتها الولايات المتحدة على أساسها، وأسقط في يدها ما كانت تحلم به، وكان ردها أن رفضت هذه المبادرة، وأعلنت استمرارها في القتال ضد النظام الأسدي.
الفريق الثاني من المعارضة السياسية ويضم أساسا معظم الكتائب المسلحة في الداخل، فهي تدرك منذ البداية أن الولايات المتحدة لا تهتم للضحايا السوريين، ولا تأبه لسقوط الملايين منهم وليس مجرد الآلاف، وأنها تسعى إلى تمكين بعض حلفائها في سوريا ليحكموا البلاد بعد سقوط الأسد، ولهذا فلم يراهنوا على الضربة الأمريكية ولم يوافقوا عليها، وأدركوا أنها إن حدثت ستكون لخدمة المصالح الأمريكية فقط، وليس لمصالح الشعب السوري منها نصيب، وأنها ستطال حتما بعض فصائل المعارضة المسلحة التي لا تتفق مصالحها مع مصالح الولايات المتحدة.
هذا الفريق لم يتغير موقفه، فهو يرى أساسا أن الحل في سوريا لن يكون إلا بأيدي أبنائها، وأنه لا يمكن التخلص من نظام الأسد بكل هؤلاء الشهداء والجرحى والمصابين لتبقى سوريا تراوح مكانها تحت السيطرة الأمريكية والغربية، بل لابد من الخروج من كل سيطرة غربية أو شرقية، ليبقى القرار السوري نابع فقط من إرادة شعبها.

مفكرة الإسلام




الثلاثاء، 17 سبتمبر، 2013

الضربات الأمنية لن تفكك تنظيم الإخوان .. والإعلام يقوم بدور مؤثر


تصريحاتي لموقع #إسلام أون لاين على هذا الرابط  http://islamonline.net/views/4747

الضربات الأمنية لن تفكك التنظيم

ومن جانبه، يرى المحلل السياسي مجدي داود، أنه “منذ الإطاحة بالرئيس المنتخب محمد #مرسي في مطلع يوليو الماضي، تقوم السلطات الجديدة بمحاولة تصفية الوجود السياسي والقانوني لجماعة #الإخوان المسلمين، مع حملة إعلامية قوية لتصوير الجماعة على أنها تنظيم #إرهابي غير وطني، لديه امتداد خارجي، ويسعى لتنفيذ أجندة خارجية، تضر بالأمن القومي للبلاد”، مشيرًا إلى أنها “تظن أن رفع الغطاء القانوني عن الجماعة من خلال حل الجمعية المشهرة، وتوجيه ضربات أمنية قوية تهز مفاصل التنظيم، عبر اعتقال الصفوف الأولى والثانية والثالثة في قيادات التنظيم، سيقضي على الجماعة للأبد ويفكك التنظيم”.

ويستدرك داود، الباحث المتخصص في الشأن المصري، في تصريحات خاصة لـ”إسلام اون لاين“، قائلاً: “إلا أن الدارس لطبيعة التنظيمات الإسلامية القوية، مثل الإخوان، يدرك جيدا أن هذه الضربات القانونية والأمنية لن تجدي نفعًا في القضاء عليها، فكما درسنا في العلوم السياسية أن الأحزاب السياسية تنشأ من خلال وجود كوادر في تنظيم، لديهم برنامج، يسعون لتحقيقه، بغض النظر عن اعتراف السلطات بهم من عدمه، وكذلك الإخوان كجماعة، فلديها قاعدة شعبية عريضة وتنظيم ثابت وراسخ، مهما تلقى من ضربات سيظل قادرًا على تجديد نفسه، وتصعيد القيادات اللازمة في إطار من السرية، بعيدًا عن الصخب الإعلامي”.

تشويه الجماعة لدى قطاعات محدودة

ويعترف الباحث والمحلل السياسي مجدي داود، بأن “وسائل الإعلام الحكومي والخاص، نجحت في تشويه صورة الجماعة لدى قطاعات لا بأس بها من المجتمع على المستوى المحلي، الذي لا يتابع سوى الإعلام الحكومي، ويرجع ذلك أساسًا لما يمكن أن نطلق عليه “الفشل في مراعاة الظروف الاقتصادية والمعيشية للشعب المصري خلال فترة حكم مرسي”، بغض النظر عن أي تقييم وعراقيل وضعت في الطريق”.

ويستدرك داود قائلاً: “إلا أن هذا كله من شأنه أن يتغير ويختفي، في حال فشلت السلطات الجديدة التي جاءت بعد الإطاحة بالرئيس المنتخب، في تحقيق ما كان الشعب يطالب به مرسي، حينها سينصرف الشعب تدريجيًا عن الإعلام المصري، ليهتم بأموره الاقتصادية والمعيشية”.

“أما على المستوى الدولي – والكلام لا يزال لداود- فالأمر غير ذلك تمامًا، حيث هناك الكثير من وسائل الإعلام التي تنقل كل ما يحدث في مصر من هذا الطرف وذلك، خاصة بعد فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة بالقوة، وتصريحات الوسطاء الدوليين بأن السلطات الحالية هي السبب وراء إفشال الوساطة التي قبلتها جماعة الإخوان”، مشيرًا إلى أن “المشكلة أن الكثير من الدول تتلاقي مصالحها مع الإطاحة بالرئيس مرسي وجماعة الإخوان من الحكم، لكي تستمر السيطرة الأمريكية على المنطقة، وتحافظ على النسق العالمي الحالي أحادي القطبية”.



الخميس، 29 أغسطس، 2013

ملامح التدخل العسكري في سوريا وأهدافه


صورة توضيحية للأهداف المستهدفة
مجدي داود

فتح استخدام نظام بشار الأسد للأسلحة الكيماوية مؤخرا الباب على مصراعيه لكافة الاحتمالات الممكنة للتدخل الغربي بما فيها التدخل بعملية عسكرية، فقد ظن الأسد ومن حوله أنه لا حساب لما يفعله، وأنه ناج من كل تلك الجرائم، فقرر أن يذهب إلى أبعد مدى في تلك الحرب الغير متكافئة، متجاهلا نواميس الكون وحقائق التاريخ، فما من ظالم إلا وله نهاية، وما من متجبر إلا وله قاصمة ظهر، وكم من متغطرس قصمت ظهره "قشة" فلم يعد له ذكر في العالمين إلا بالشر والسوء.

جاء استخدام الكيماوي مؤخرا ليعطي للولايات المتحدة المبرر للتدخل العسكري المباشر في سوريا، متى قررت ذلك، سواء قبل بذلك مجلس الأمن الدولي أو رفض، وسواء قبلت الدول العظمى الحليفة لنظام الأسد أم لا، فلا قيمة الآن للفيتو الروسي والصيني.

ومن العجيب أن يقوم نظام الأسد باستخدام الكيماوي بشكل فج في الغوطة بريف دمشق، بعد نحو شهر من نشر خطاب رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة مارتن ديمبسي موجه للسيناتور "كارل ليفن" رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي، تضمنت خمس خيارات للتعامل مع الأزمة السورية، وهي كما يلي:

1. تدريب وتقديم المشورة ومساعدة المعارضة المسلحة، حيث يتم نشر عدة مستشارين أمريكيين، لتدريب الثوار السوريين في مهام مثل التخطيط التكتيكي واستخدام أسلحة، مشيرا إلى أن شر عدة آلاف من المستشارين قد يكلف 500 مليون دولار سنويا، مع مساحة خلفية آمنة مثل تركيا والأردن.

2. تنفيذ ضربة عسكرية محددة، تستهدف أهداف النظام "عالية القيمة" مع القنابل والصواريخ والذخائر المدفعية، مشيرا إلى أن هذا الخيار يتطلب عدة مئات من الطائرات وتوظف المطلقة للصواريخ السفن البحرية، وأعرب عن اعتقادة بأن هذا الخيار يضعف النظام من خلال تدمير جيشها وتستنزف أخلاقيا ذلك عن طريق زيادة فرار عناصره، متوقعا تواجه القوات الأميركية هجمات انتقامية، كما أن الهجمات الأمريكية يمكن أن تقتل المدنيين.

3. إنشاء منطقة حظر جوي فوق سوريا، لمنع النظام من استخدام طائراته لمهاجمة الثوار ونقل الأسلحة، وهو ما قوات برية كبيرة لحماية القواعد الجوية وتكاليف أكثر من 1 مليار دولار شهريا.

4. إنشاء المناطق العازلة وذلك للمساعدة في حماية المناطق التي يسيطر عليها الثوار، وهو ما يتطلب على الأرجح قوات برية في سوريا، وحدد ديمبسي منطقة الحدود بين سوريا وتركيا كمكان المرجح لاقامة المنطقة العازلة، ولكنه أبدى خشيته من أن تتحول تلك المناطق العازلة قواعد لمن وصفهم بـ"المتطرفين"، مشيرا إلى أن تكلفة هذا الخيار ستكون عدة مليارات في الشهر.

5. التحكم في الأسلحة الكيميائية، بمعنى العمل على حرمان النظام ومن وصفهم بـ"الإرهابيين" من أسلحة الدمار الشامل، من خلال قصف المخزونات الكيميائية لنظام الأسد، ثم الدفع بالقوات البرية لتأمين "المواقع الحرجة"، وهو الخيار الذي يكلف أكثر من مليار في الشهر.

ليس من بين خيارات ديمبسي الخمسة السابقة هذه، توجيه ضربة قاضية لنظام الأسد، وهو ما يكشف عن أهداف التدخل المرتقب، بغض النظر عن استخدام الأسد للأسلحة الكيماوية، فهذه ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها الأسلحة الكيماوية، فقد سبق وأن استخدمها دون أن يتحرك ذلك الضمير.

ولكن على الرغم من ذلك، فإن كل التقديرات والتصريحات المتواترة الآن والأحداث المتسارعة، تشير إلى أن الولايات المتحدة عازمة بشكل شبه مؤكد على القيام بعملية عسكرية في سوريا، فثمة تراجع مريب في الموقف الروسي وبدء سحب أسطولها البحري المتواجد في ميناء طرطوس السوري على البحر المتوسط، وتسريبات من الصحافة الصهيونية –مثلما حدث قبيل ضرب العراق عام 2003- عن توجيه ضربة عسكرية وشيكة لسوريا، واجتماع قادة 10 جيوش عربية وغربية في الآردن قبل يومين، وتصريحات وزير الخارجية الأمريكي، كل ذلك يصب في أن الضربة وشيكة لا محالة.

لكن ما هي أهداف هذا التدخل العسكري الوشيك؟!

من السذاجة أن يظن البعض أن هذا التدخل العسكري الوشيك إنما هو رد فعل على استخدام الأسلحة الكيماوية، أو لسقوط أكثر من ألف شهيد بسبب استخدام السلاح الكيماوي، فقد سقط أكثر من 100 ألف شهيد على أقل التقديرات منذ مارس 2011 حتى الآن، ولم يتحرك العالم الغربي لنصرة الشعب السوري أو لإزاحة النظام الأسدي، كما ارتكب النظام مجازر فادحة لا تقل في جرمها واختراقها للقيم الإنسانية والقوانين الدولية عن مجزرة الغوطة شيئا.

أن التطور الجديد على الأرض الذي تخشاه الولايات المتحدة وحلفائها، وما كانت ترغبه ولا تتمناه، هو الظهور القوي للجماعات الجهادية، مثل جبهة النصرة وغيرها، هذه الجماعات التي بدأت تحقق نفوذ كبير في الأراضي السورية، وتسيطر على الكثير من المناطق المحررة، ومن بينها مناطق قريبة من منطقة الجولان المحتلة، بل إنها قد وصلت بالفعل إلى حدود الجولان في بعض المناطق قبل أن تستردها قوات الأسد مرة أخرى.

إن وجود الجماعات الجهادية في سوريا هو أمر شديد الخطورة بالنسبة للولايات المتحدة، لأنها تخشى أن تصبح سوريا قاعدة تتمركز فيها الجماعات الجهادية، وهي بقربها من العراق ودول الخليج الأخري –من خلال العراق أو الأردن- قادرة على توجيه ضربات قوية للمصالح الأمريكية في المنطقة وخاصة المصالح النفطية أي أنها قادرة على استهداف "عصب الولايات المتحدة"، كما أن تمركز الجماعات الجهادية في سوريا يمثل خطورة بالغة على أمن الكيان الصهيوني، والولايات المتحدة ملتزمة التزاما كاملا بأمن الكيان الصهيوني، ومستعدة للقيام بأي شئ لحفظ أمن ذلك الكيان الغاصب.

في الوقت ذاته فإن الولايات المتحدة تدرك أن النظام الأسدي ساقط لا محالة، وأنها إن لم تتدخل وتشارك في عملية إسقاطه فلن يكون لها سيطرة على مجريات الأمور في سوريا ما بعد الأسد، خاصة في ظل وجود تلك الجماعات الجهادية التي تصنفها الولايات المتحدة على أنها "جماعات إرهابية"، وبالتالي فهي تريد أن يكون لها مساهمة معروفة في إسقاط ذلك النظام، حتى تستطيع أن تمكن من تريد من إدارة سوريا بعد الأسد، حتى لا يشب عن الطوق ولا يخرج على رأي ورغبة الإدارة الأمريكية.

يتضح من ذلك ملامح العملية العسكرية المزمع تنفيذها في سوريا، وهي:

1. توجيه ضربة عسكرية محدودة لنظام بشار الأسد، ضربة قوية لكنها غير قاضية، تسرع من عملية إسقاطه ولكن ليس بالشكل المطلوب، ضربة تشل أركان النظام عن استخدام الأسلحة الكيماوية مرة أخرى، وتستهدف الأهداف العالية القيمة كما ذكر الجنرال مارتن ديمبسي في خطابه، ربما تشمل المطارات العسكرية وقواعد الصواريخ المهمة، كما قد تشمل العملية إدخال بعض القوات للسيطرة على مخازن الأسلحة الكيماوية، وكانت تقارير سابقة قد تحدثت عن تدريب عناصر أردنية لهذا الغرض.

2. توجيه ضربات قوية وموجعة للتيارات الجهادية المتواجدة في سوريا، بهدف إضعاف هذه التيارات، والتقليل من سيطرتها على المشهد الثوري، وسيطرتها على الكثير من المناطق المحررة، وذلك من خلال استهداف بعض قياداتها وتجمعاتها في المناطق المحررة الخاضعة تحت سيطرتها، واستهداف مخازن السلاح التابعة لها، وذلك كله من خلال عملائها المتواجدين على الأرض، وذلك مثلما قصفت الولايات المتحدة جماعة "أنصار الإسلام" في كردستان العراق، التي كانت تتهمها بالإرهاب والانضمام لتنظيم القاعدة، قبيل الغزو الأمريكي للعراق مباشرة.

من خلال ذلك، يمكن للولايات المتحدة تحقيق أهدافها في سوريا، فتوجيه ضربة قوية لنظام الأسد، ستجعل الكثير من أركان نظامه يفرون ويتركونه، خاصة بعد أن أعلنت روسيا أن جيشها لن يقاتل عن أحد، وأن زمن الدفاع عن الآخرين والحرب لأجلهم قد ولى، كما أن رد الفعل الإيراني لن يكون أبدا على مستوى عنترية التصريحات الإيرانية خلال العامين الماضيين، وكذلك حزب الله في لبنان، كما سينشق الكثير من القيادات الميدانية والضباط والجنود، وبذلك يكون لها دور في إسقاط النظام الأسدي، تستغله فيما بعد.

ولا شك أن إضعاف النظام الأسدي، دون القضاء عليه، يعني إطالة أمد المعركة، حتى ينتهي النظام الأسدي بعد تخلي معظم قواته عنه، في المقابل ستكون الجماعات الجهادية والوطنية الخالصة قد ضعفت أيضا وتأثرت بالضربات الأمريكية التي وجهت لها، ولا يبقى إلا بعض القوى الغير قادرة على حسم الصراع، فيأتي الساسة الذين تربطهم بالولايات المتحدة والغرب، علاقات مشبوهة بطريقة أو بأخرى، فتنصبهم الولايات المتحدة –بشكل خفي- حكاما لسوريا، يكونون يدها التي تحكم بها سوريا عن بعد.



مصدر المقال:

صفحتي على الفيس بوك: https://www.facebook.com/magdy.dawoud1




الخميس، 27 يونيو، 2013

سيناريوهات 30 يونيو .. مصر نحو المجهول

مجدي داود

بدأت قبل أسابيع الدعوة إلى احتجاجات قوية يوم 30 يونيو المقبل، لإسقاط نظام الرئيس محمد مرسي، وجماعة الإخوان المسلمين، حيث يتوافق ذلك مع مرور عام على تولي الرئيس مرسي حكم البلاد، وبدأت قوى المعارضة التحضير لهذه الاحتجاجات، فكانت حملة تمرد التي استطاعت جمع عدد لا بأس به من التوقيعات، ووصلت إلى عدد لا بأس به من القرى والنجوع في الأماكن البعيدة، رغم أنها بالغت كثيرًا في الأرقام التي أعلنتها، وبدأت المعارضة في الترويج إلى أن هذه الاحتجاجات هي الحاسمة التي ستطيح بالإخوان نهائيًا من سدة الحكم، وتعيدهم إلى السجون والمعتقلات مرة أخرى.

وبدأت وسائل الإعلام المصرية التي يملكها فلول النظام السابق والمستفيدون منه وذوو التوجهات العلمانية والليبرالية والشيوعية، والمفسدون الخائفون من قيام النظام الحالي بفتح ملفات فسادهم، في الترويج والتضخيم لهذه الاحتجاجات، والزعم بأنها حتمًا ستطيح بالإخوان، وأن حملة تمرد جمعت ملايين التوقيعات، ما يدل على الرفض الشعبي الجارف لبقاء مرسي على سدة الحكم، بل وحُشد الناس حشدًا إلى التوقيع على استمارات "تمرد" والنزول إلى التظاهر يوم 30 يونيو، باعتباره الحل الأمثل والأوحد للخروج من الأزمات المتتالية التي تعاني منها البلاد، وعلى رأسها "ارتفاع مضطرد في الأسعار، نقص الوقود، انقطاع الكهرباء، نقص المواد التموينية، غياب الأمن والاستقرار"، مع ترويج شائعات، واستغلال لأخبار أخرى صحيحة تخص المواطن البسيط وتزيد العبء على كاهله.

كما بدأت قوى البلطجة في الاستعداد لهذا اليوم، لإثارة الفتنة والخراب والدمار في البلاد، إدراكًا منها أن هذه هي الفرصة الأخيرة لإزاحة الرئيس مرسي وجماعة الإخوان عن سدة الحكم، وأنهم إن فشلوا هذه المرة، فلن يستيطعوا فعل شيء في المستقبل، وسيترسخ لدى المواطن العادي أن المعارضة الحالية هي مجرد أبواق إعلامية لا وجود لها ولا تأثير في الشارع المصري، وغير قادرة على منافسة الإخوان.

على ماذا يراهنون؟

يراهن هؤلاء أولاً على حالة السخط الشعبي المتزايدة تجاه الرئيس المصري وحكومته وجماعته، فقد ارتكب الرئيس وحكومته عدة أخطاء ساهمت في زيادة العبء على كاهل المواطنين، ولم يستطع إصلاح تلك الأخطاء، كما صدرت بعض التصريحات غير المسؤولة من بعض مسؤولي الجماعة وحزبها السياسي، صورها الإعلام وكأن الدولة سقطت في براثن الجماعة، مع تضخيم الإعلام للعديد من المشاكل المتراكمة والموروثة وتصويرها وكأنها لم تظهر إلا في عهد الرئيس الحالي، كل ذلك من شأنه زيادة نسبة المشاركة في الاحتجاجات.

ويراهن المحتجون على إراقة الدماء، وسقوط القتلى والجرحى كهدف أساسي لا بد من تحقيقه في أول أيام الاحتجاجات، فيتم استنفار الشعب كله، وذلك بفعل التأثير الإعلامي الذي لا يقابله إعلام قوي يكشف الحقيقة بوضوح، ومع سقوط الدماء يتم إعلان الاعتصام وفتح جبهات كثيرة للمواجهات مع أجهزة الأمن وأعضاء الجماعات الإسلامية كافة والإخوان المسلمين خاصة، والهجوم على مقراتهم ومكاتبهم، فتزيد حدة المواجهات، ويكثر القتلى والجرحى، وبالتالي يخسر الرئيس ما تبقى له من شعبية في الشارع، وتسقط شرعيته بعدم حفظه دماء شعبه، ويتم إذاعة بيان عزل مرسي وتنصيب مجلس رئاسي بديل.

كما يراهن المحتجون على مواقف الجيش وقوات الأمن المصرية، فهم يأملون أن تكرر قوات الأمن انسحابها من الشارع بعد وقوع عدد من القتلى والجرحى، حيث يسيطر المحتجون على العديد من المقرات الحيوية والإستراتيجية في البلاد، كما يأملون أن يقرر الجيش النزول إلى الشارع مرة أخرى، وتلبية مطالبهم على غرار ما حدث إبان ثورة 25 يناير، والإطاحة بالرئيس وجماعته، وتأمين المجلس الرئاسي أو الرئيس الذي سيعلنونه.

سيناريوهات متوقعة:

ثمة ثلاث احتمالات لما قد يحدث في هذه الاحتجاجات وما ينتج عنها، أحدهم أن يمر هذا اليوم كغيره من أيام الاحتجاجات التي عاشتها مصر سابقًا مع بعض الاشتباكات بين المحتجين والمؤيدين للرئيس محمد مرسي، ولكن هذا احتمال ضعيف ومستبعد، إذ أن تصريحات الداعين للاحتجاجات والشواهد التي تحدث هذه الأيام، تشير إلى أنهم ماضون في طريق التخريب والتدمير إلى أن يمنعهم من ذلك مانع أو يحققوا هدفهم الذي خرجوا له ويسقطوا الرئيس المنتخب وحكومته.

الاحتمال الثاني: هو نجاحهم –لا قدر الله- في عزل الرئيس محمد مرسي بعد اقتحام عدد من المباني السيادية في البلاد والسيطرة عليها، بمعاونة بعض من فيها من قيادات أمنية لا تزال توالي النظام السابق وتعمل في خدمته حتى اللحظة، وحينها ستدخل مصر مرحلة من الفوضى والاقتتال والحرب الأهلية لم تشهد لها مثيلاً على مدار تاريخها، إذ أنه سيعني ببساطة نجاح البلطجة وقوة الذراع في السيطرة على الحكم في البلاد، وهو أمر لم تعرفه مصر من قبل، حتى في عصر المماليك لم تكن خلافات الأمراء المماليك تنزل إلى مستوى العامة، والشعب ولم يكونوا يتدخلون فيها، بل كانت حروبهم ومعاركهم خفية إما داخل جدران القصور أو خارج المناطق السكنية في الصحراء.

كما تكمن خطورة نجاح هذا السيناريو في عدم وجود رؤية واضحة لدى المحتجين على الخطوات التالية لسقوط مرسي، فمن سيتولى الحكم من بعده؟ وماذا عن موقف الجماعات والقوى الإسلامية؟ وكيف سيتم التعامل معهم ورد الفعل المتوقع منهم؟ وهل هم قادرون على تولى شؤون البلاد؟ وماذا إن اندلعت حرب أهلية؟ أو تفاقمت الأزمات الأمنية والاقتصادية في البلاد، والتي لم يطرحوا لها أي حلول قبل اليوم؟.

وأما الاحتمال الثالث: في ظل إعلان القوى الإسلامية النزول في نفس اليوم أو قبله بيومين والاعتصام أمام قصر الاتحادية، فمن المتوقع وقوع اشتباكات بين المؤيدين للرئيس والمحتجين، وهجوم على مقرات جماعة الإخوان المسلمين، إلا أن أنصار القوى الإسلامية سيثبتون في الدفاع عن أجهزة الدولة ومقراتها، إلى أن يتفرق المحتجون.

ولكن خطورة هذا السيناريو هو في اتساع دائرة الاشتباكات إلى المحافظات والمدن المختلفة، وتخلف أجهزة الأمن عن القيام بواجبها، وقيام البلطجية والمخربين بعمليات تدمير وتخريب ممنهجة للممتلكات العامة والخاصة، وعدم قدرة الدولة على السيطرة على الاحتجاجات، ما يعني تفاقم حالة الفوضى وغياب الأمن وتعقد الحالة السياسية في البلاد، وهو ما قد يسحب بساط الشرعية من تحت الرئيس محمد مرسي لعدم قدرته على حماية المواطنين وتطبيق القانون بحسم على الجميع.

تجنب الاحتكاك:

إن السيناريوهين السابقين سيؤديان بشكل أو بآخر إلى انهيار الدولة وتآكلها، ولن يعود عليها بأي نفع، ولهذا فلا بد من التعامل بحكمة مع الأحداث، حتى يمكن امتصاص الغضبة وتفادي نتائجها السيئة، ومن أهم الأمور التي يجب القيام بها ما يلي:

1.  على القوى الإسلامية أن تتجنب –بقدر الإمكان- الاحتكاك بالمحتجين أو التعرض لهم أو الاشتباك معهم، إلا عند الضرورة القصوى، مع ضرورة تصوير كل محاولات التعدي على المقرات الخاصة والشخصيات والرموز السياسية والقيادية، وذلك لتجنب سقوط قتلى وجرحى تؤدي إلى تصعيد الاحتجاجات.

2.  أن تدرك القوى الإسلامية كافة أن مهمتها ليست حماية القصور الرئيسية أو أجهزة الدولة السيادية، ويجب ألا تتواجد أمام هذه المباني والمقرات الاستيراتيجية في البلاد خلال فترة الاحتجاجات، وعلى الرئيس أن يكلف أجهزة الدولة المعنية بحماية تلك المقرات وعدم السماح لأي جهة باقتحامها مهما كانت تلك الجهة.

3.  على القوى الإسلامية أن تكون على أهبة الاستعداد لمواجهة أية طوارئ، مع عدم الاحتكاك بالمحتجين، وأن تكتفي بالإعلان أنها ستراقب الموقف وحركة المحتجين وتطورات الأمور، ويكون لديهم خطط لمواجهة سيناريوهات إعلان عزل الرئيس أو إصابته بأي أذى –لا قدر الله- بحيث يتم اتخاذ قرارات سريعة وواضحة حينها.

4.  يجب على قيادات ورموز القوى الإسلامية التوقف عن إصدار تصريحات استفزازية، يستغلها الإعلام لترويع الشعب وإخافته ودفعه للمشاركة في الاحتجاجات، وكذلك عدم اتخاذ قرارات حكومية من شأنها زيادة العبء على كاهل المواطنين.

5.  على الرئيس أن يكلف وزارة الداخلية بإصدار بيان يتضمن المناطق المحظور التظاهر فيها، وتوضيح كيفية التعامل مع المحتجين إذا اقتربوا من هذه الأماكن وقواعد الاشتباك معهم، ونشر ذلك البيان على نطاق واسع في كافة وسائل الإعلام حتى يوم التظاهر، مع ضرورة وضع كاميرات تصوير ظاهرة وخفية أعلى تلك المباني حتى يتم تصوير كل ما يحدث حولها وفي داخلها إذا تم اقتحامها.
خاتمة:

وأخيرًا، وبعد أن تنقضي هذه الغمة، إن شاء الله، يجب على الرئيس وجماعته أن يمدا أيديهما إلى القوى الوطنية كافة لإيجاد الحلول والمخارج من الأزمات التي تمر بها البلاد، وبخاصة الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها الفئات الفقيرة، وألا يركنوا إلى الفخر والاعتزاز بالنفس في غير محله، حتى لا يصابوا بغرور القوة، فيتوالى فشلهم، بل إنها ستكون فرصة، ربما غالبًا، هي الأخيرة لإثبات جدارتهم لحكم البلاد وقيادة الشعب المصري إلى النهوض والتقدم.

صحفي مصري.



الثلاثاء، 11 يونيو، 2013

مثنى الضاري في حوار مع " البيان": صراع العراق يتسع بإرادة شعبية

أجرى الحوار: أ. مجدي داود


لا تزال بلاد الرافدين تعاني ويلات الاحتلال الأمريكي الذي استمر عدة سنوات، فقد خرج الاحتلال ليترك خلفه طائفية بغيضة على رأس الحكم، تمارس كل أنواع الديكتاتورية والاستبداد، ضد أهل السنة وهم مكون رئيسي من مكونات الشعب العراقي، إلا أنهم مهضومي الحق منذ الاحتلال عقابا لهم على وقوفهم في وجهه، ورفعهم السلاح ضده وإعلان الجهاد حتى تحرير العراق.
ولقد صبر اهل السنة طويلا على هذا الظلم والاستبداد، حتى ضاقوا ذرعا، فانتفضوا في ديسمبر الماضي معلنين الاعتصام في الساحات حتى تحقيق المطالب التي رفعوها، وسط تجاهل حكومة المالكي التي قامت مؤخرا باقتحام إحدى ساحات الاعتصام السلمي ما تسبب في مقتل العشرات من المعتصمين الأبرياء.
حول الانتفاضة السنية وردود فعل قوات المالكي ورفضه الاستجابة للمطالب ومذبحة الحويجة دار هذا الحوار مع الدكتور مثنى حارث الضاري مسؤول قسم الثقافة والإعلام بهيئة علماء المسلمين في العراق.
واعتبر الضاري أن ما يحدث في العراق اليوم هو إحدى حلقات الصراع بين الاحتلال الأمريكي وآثاره وبين القوى المناهضة لهما، مشيرا إلى ان المالكي يراهن على عامل الوقت لتصفية هذه الانتفاضة والحراك السني، وأنه أقدم على جريمة الحويجة لاستكشاف رد الفعل لكي يكمل تنفيذ مخططه، وشدد على أن اهل السنة ماضون في طريقهم متمسكين بثوابتهم، وأن هناك اتفاق على ضرورة حماية النفوس وصون الدماء وانتزاع الحقوق انتزاعا.
وإلى نص الحوار:
البيان: بداية صف لنا المشهد السياسي الحالي في العراق .
المشهد السياسي حاليا في العراق مضطرب اشد الاضطراب وليس هذا بمستغرب؛ فهو نتاج متوقع لعملية سياسية في ظل احتلال؛ ومخرج موافق لمدخلات دستور مسخ مهد لكل ما يحصل الآن. ويمكن تقدير الحالة في العراق بشكل مختصر بوصفها: صفحة جديدة من صفحات الصراع بين الاحتلال وآثاره والقوى المناهضة لهما، مع فارق مهم هذه المرة هو في اتساع حالة الصراع واتخاذها بعدا جماهيريا كبيرا وتمتعه من طرف القوى المناهضة للاحتلال بحاضنة شعبية تعيد إلى الأذهان ما كانت عليه الأوضاع بعيد الاحتلال في عام 2003م. ويمثل طرف الاحتلال المالكي بحكمه الدكتاتوري المتصف بكل صفات الاستبداد السياسي والمتمتع بدوره بكل عوامل العنجهية والغرور والتوسل بالسلطة وطغيانها للبقاء في الحكم بأي طريقة ممكنة وبواسطة استخدام كل وسائل القوة والبطش الممكنة.. كل هذا على الرغم من تمتع الثورة الشعبية بالسلمية وعدم تقاطعها حتى مع مقتضيات الدستور المسخ نفسه.
البيان: لماذا يصر نوري المالكي على عدم الاستجابة لمطالب المعتصمين؟
- عدم استجابة نوري المالكي نابعة من أمرين:
أ‌- هو يعتقد أن الاستجابة لهذه المطالب؛ تمثل عامل ضعف قد يعزز إمكانات الانتقام من سلطته، وينظر إليها على انها مطالب تصطدم مع المقومات الأساسية لبقاء حكومته واستقرارها.
ب‌- مراهنته على عامل الوقت لغرض إنهاء الاعتصامات والتظاهرات بالقوة التي لا يمتلك كل عواملها في الوقت الحاضر، بانتظار تنفيذ صفقات السلاح التي ابرمها هنا وهناك؛ ليستخدمها في إنهاء التظاهرات والاعتصامات بالقوة. وخيار القوة هو خياره الذي صرح به منذ البداية ومازال مصراً عليه.
البيان:لماذا أقدم المالكي على التصعيد واقتحام ساحة الحويجة؟
الضاري : هو يراهن على عامل الوقت، وقضم والاعتصامات واحدا بعد آخر بكل الطرق الممكنة. وقد توهم بأنه يمكنه البدء بالحويجة لإرهاب الساحات الأخرى وإجبارها على حل نفسها بنفسها. وتم اختيار الحويجة بسبب بعدها عن بغداد أولاً وتذرعه بحادث عرضي حدث قريباً منها.
البيان: هل لذلك الأمر علاقة بالتطورات على الساحة الإقليمية؟
نعم هو متعلق بشكل كبير بالإحداث في سوريا وتطوراتها فالنظام المالكي ينظر للملفين السوري والعراقي نظرة واحدة ويعمل فيهما وفقاً لذلك. ويعي تماماً مدى التعاطف الكبير بين الشعبين والقضيتين، ومدى تأثير تداعيات انتصار أي ساحة منهما على الأخرى؛ ولذا تجده يعمل على المساهمة بكل قوة في دعم النظام السوري وتوفير ما يستطيع من احتياجاته اللوجستية وغيرها.
البيان: ما تعليقك على الانتخابات المحلية العراقية ونتائجها؟
يمكن تلخيصها بأنها: مثلها مثل غيرها صفة ونتيجة وواقعا ومآلا، مع تراجع ملحوظ للمالكي. فضلاً عن الأوضاع المضطربة التي اجريت فيها، وهي ظروف غير طبيعية ولا تسمح بإجراء أية انتخابات حقيقية فيها_بغض النظر عن موقفنا الرافض لها_. فالبلاد تكاد تشتعل وست محافظات تعلن جهارا ونهارا معارضتها للحكومة ومطالبتها بالتغيير الكامل.
البيان: لماذا يرفض المالكي إقامة إقليم لأهل السنة مع إن الدستور يسمح بذلك؟
كان المالكي يطمح مع غيره للأقاليم قبل سنوات؛ أما وقد حصل على العراق كله فما الداعي اذن لفيدراليات قد تعكر قليلا على مركزية الحكم التي يبغيها، فضلاً عن تداعيات الثورة السورية.
البيان: ما هي الخيارات المطروحة أمامكم في حال إصرار المالكي على عدم الاستجابة للمطالب؟
في الحقيقة لا خيارات مطروحة، وما يعلن عن الخيارات إنما هي وسائل للصراع السياسي ضد حكومة الاحتلال الخامسة ومحاولات لإرغام انفها ورد حججها. والمتفق عليه بين الجميع بغض النظر عن الاختلافات التفصيلية؛ هو ضرورة حماية النفوس وصون الدماء وانتزاع الحقوق انتزاعا. وهذا التوجه يلقى قبولاً الآن وتصاعدا وتناميا يوما بعد يوم.
البيان: هل هناك أي احتمال لحمل السلاح في مرحلة من المراحل ضد الحكومة؟ ولماذا؟
السلاح حمل الآن من قبل العشائر التي يقوم ثوارها الآن بالتصدي لمحاولات إرهاب المالكي وهجماته على المدن والقرى واستهدافه للناشطين في ساحات التظاهر والاعتصامات. واحتمالات تطور هذه الظاهرة واتساعها وانتشارها على مساحات أكبر؛ متوقع بشكل كبير. وتشير المعطيات على الارض فضلاً عن تصاعد نبرة الخطاب الشعبي ومطالبة الجماهير بالحل بالقوة إلى ان هناك استعدادت حقيقية لذلك سواء في صفوف أبناء العشائر أو في صفوف أبناء فصائل المقاومة.
البيان: كيف ترى مستقبل العراق في المستقبل القريب؟
مستقبل حافل بكل المخاطر، ولكنه مستقبل واعد بعون الله؛ فمادامت الثورة الشعبية قد انطلقت فيه؛ فإن الساعة لن تعود إلى الوراء.ِ وبوادر التغيير تلوح الآن في الأفق، فضلاً عن متغيرات محسوسة وملموسة. ولعل الأوضاع المضطربة الآن على الأصعدة السياسية والميدانية تدل على ذلك.



الخميس، 6 يونيو، 2013

بنجلاديش والانتقام من الهوية الإسلامية

تشهد "بنجلاديش" اليوم أزمة خطيرة، حيث تنتشر الفوضى والعنف، ويشتعل المسلمون غضباً، وسط ترقب لما سيحدث خلال الأسابيع القليلة المقبلة، بعد صدور أحكام بالإعدام على بعض قادة ورموز "الجماعة الإسلامية"، على خلفية ما تقول الحكومة إنها "جرائم قتل وإرهاب" قاموا بها خلال "حرب الانفصال" عن باكستان عام 1971م، وهي الأحكام التي وصفتها الجماعة الإسلامية ومؤسسات حقوقية بأنها أحكام مسيّسة ناتجة عن محاكم مسيّسة، كما ظهرت دلائل على تدخّل الحكومة في عمل المحكمة وإجبار القضاة على إصدار أحكام الإعدام تلك.. في المقابل يصرّ التيار العلماني على تنفيذ الأحكام، متجاهلاً كافة المآخذ القانونية على المحكمة، فيما يعتبر حرباً شديدة على الجماعة الإسلامية وانتقاماً من الهوية الإسلامية للبلاد التي تسعى الجماعة للحفاظ عليها.
بنجلاديش هي سابع أكبر دول العالم من حيث عدد السكان، إذ إن عدد سكانها نحو 160 مليون نسمة، 96% منهم مسلمون، فهي رابع أكبر الدول من حيث عدد المسلمين فيها، ويعتبر الإسلام الديانة الرسمية داخلها، لكن تعيش الديانات الأخرى وتمارس شعائرها في سلام، واستقلت بنجلاديش عن باكستان عام 1971.
قصة الانفصال
يرى كثير من المؤرخين أن بذور انفصال بنجلاديش عن باكستان زرعت يوم تقسيم شبه القارة الهندية حين رفض المستعمر البريطاني وصل باكستان ببنجلاديش جغرافياً، فصارت الدولة الواحدة منقسمة جغرافياً إلى منطقتين بعيدتين؛ باكستان والتي عرفت حينها بباكستان الغربية، وبنجلاديش التي عرفت بباكستان الشرقية، وشجعت الهند انفصال بنجلاديش عن باكستان، وذلك عن طريق بعض البنجاليين الذين كانوا يرددون أن البنجاليين لا يحظون بنفس الاهتمام والمعاملة الذي يحظى به الباكستانيون، وزاد ترويج هذا الأمر حتى انتخابات عام 1970 التي فاز فيها حزب "مجيب الرحمن" من بنجلاديش بالأغلبية النيابية، وكان قد قدم مقترحاً من ست نقاط يمثل بذرة انفصال بنجلاديش، فرفض الجنرال يحيى خان الذي يصر على الوحدة، تسليم السلطة لمجيب الرحمن، وقامت حرب أهلية، حتى أعلن الجيش الباكستاني في بنجلاديش استسلامه أمام الجيش الهندي الذي خاض حرباً ضد باكستان لدعم انفصال بنجلاديش.
كانت الجماعة الإسلامية في ذلك الوقت ترفض انفصال بنجلاديش؛ إدراكاً منها لخطورة تقسيم البلاد، والارتماء في الأحضان الهندية، وقد انتقمت منها الحكومة البنجالية على الفور بعد الانفصال، حيث سجنت الآلاف من المعارضين للانفصال، ثم تم العفو عنهم ضمن اتفاقية ثلاثية تمت بين بنجلاديش وباكستان والهند، كما تم العفو عن 195 عسكرياً لم يكن من بينهم أي من قادة الجماعة الإسلامية الذين يحاكمون الآن.
محاكمة بعد 37 عاماً
الجماعة الإسلامية هي أكبر القوى الإسلامية في بنجلاديش، وإلى جانبها توجد قوى أخرى، مثل: مجلس الخلافة وحركة الخلافة، والتيار السلفي الذي يُعنى بعلم التوحيد، وجماعة التبليغ والدعوة وهي لا تهتم بالشؤون العامة وليس لها دور في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أنها تمتلك وتدير العديد من المؤسسات، ومنها: جمعية العمال، وجمعية الفلاحين، وجمعية التربية الإسلامية، ومطبوعة يومية، وأخرى أسبوعية، وثالثة شهرية، فضلاً عن إدارة العديد من المدارس وثلاث جامعات حكومية تحظى بحضور إسلامي قوي في أوساط الطلاب.
خلال السنوات الأخيرة تعاظمت قوة الجماعة الإسلامية، وصارت تمثل قوة سياسية واجتماعية مهمة في البلاد، فالمعارضة الرئيسية تتمثل في الحزب الوطني البنجلاديشي وتقوده خالدة زيوار، والتي وجدت حلفاءها بين الأحزاب الإسلامية، مثل: الجماعة الإسلامية البنجلاديشية، وجماعة أويكا جوتا الإسلامية، بينما انحازت رابطة عوامي التي تنتمي إليها رئيسة وزراء بنجلاديش الحالية شيخة حسينة ابنة شيخ مجيب الرحمن الذي أعلن استقلال البلاد عام 1971 وأصبح رئيسها المؤسس بعد الحرب؛ إلى اليساريين والأحزاب العلمانية.
وقد أزعج هذا الوضع التيار العلماني الذي يسيطر على الحكم في البلاد، فأثار قضية الانفصال مجدداً بعد مرور 37 عاماً عليها، وطالبوا بمحاكمة قادة الجماعة الإسلامية بدعوى ارتكابهم جرائم حرب ونهب وسلب وتأييدهم الجيش الباكستاني خلال حرب الانفصال، كما قررت الحكومة، بقيادة رئيسة الوزراء الشيخة حسينة، حظر أي ممارسة إسلامية سياسية ومنع التعليم الإسلامي، وشنت حرباً شرسة ضد الجماعة الإسلامية وأنشطتها السياسية والاجتماعية والتربوية والدعوية، وذلك تحت ضغط الشيوعيين في الحكومة، وهم لا يقلون عن نصف عدد الوزراء؛ للقضاء على الجماعة الإسلامية وتضييق الخناق على قادتها، حتى إن الحكومة قامت بحذف البند الأساسي من دستور البلاد وهو الإيمان بالله وتكوين العلاقة مع الدول المسلمة.
وفي عام 2009 قدمت الأمم المتحدة دعماً للحكومة البنجالية لمحاكمة قادة الجماعة الإسلامية بتهمة ارتكاب جرائم حرب خلال حرب الانفصال، وطلبت الحكومة البنجالية من باكستان والولايات المتحدة تزويدها بالوثائق الخاصة التي تتصل بالحرب، في الوقت ذاته ترفض محاولات المحامين الدوليين التدخل بدعوى أن هذا أمر داخلي، وأنشأت الحكومة محكمة خاصة بجرائم الحرب بغرض "محاكمة كل من أدين بالتعاون مع القوات الباكستانية خلال حرب الاستقلال وارتكاب جرائم حرب".
أحكام الإعدام وانتقادات حقوقية
أصدرت المحكمة حكماً بالإعدام على عدد من أكبر رموز الجماعة الإسلامية، على رأسهم اثنان من كبار شيوخ البلاد وعلمائها، وهما: الشيخ دِلْوَار حسين سعيدي، والشيخ أبو الكلام آزاد، وقد لاقت تلك الأحكام انتقادات واسعة من قبل عديد من الهيئات والمنظمات الحقوقية الدولية، مثل: منظمة العفو الدولية، ومنظمة هيومان رايتس ووتش، ورابطة المحامين الدولية، والمركز الدولي للعدالة الانتقالية، والاتحاد الدولي للقضاء، وكذلك عدد من الشخصيات والرموز السياسية العالمية، مثل: الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وعدد من أعضاء مجلس اللوردات بالمملكة المتحدة.
وقال الاتحاد الدولي للقضاء في تقريره عن هذه المحاكمات الذي نشر في 22 يناير الماضي، بعد أن شكل وفداً من 14 عضواً زار بنجلاديش في ديسمبر الماضي لمراقبة وقائع المحكمة؛ إنه يجب إيقاف حكم الإعدام على "أبي الكلام آزاد" والمحاكمات الأخرى؛ نظراً لأن بنجلاديش لا تؤمِّن محاكمة عادلة للمتهمين، وأن المحاكمة لا يمكن أن تطابق المعايير الدولية؛ لأن القاضي والمدعي العام ولجنة التحقيق عُيِّنوا كلهم من قبل الحكومة، والمتهمون هم سياسيون حزبيون من المعارضة، ومحاكمة بهذا الشكل لا يمكن أن تكون خاضعة للمعايير الدولية.
واقترح التقرير 12 خطوة لتأمين محاكمة عادلة لقادة الجماعة الإسلامية، على رأسها: تجريد القضية من العناصر السياسية، والتعامل معها على أساس قانوني، وتعريف الجرائم التي وردت في محكمة جرائم الحرب بشكل واضح، وإعادة تعيين القضاة لضمان الحياد، واستبدال القضاة والمدعين العامين وغيرهم في القضية، وتعيين قضاة محايدين ومدعين عامين يتّسمون بالنزاهة، والتحقيق مع المسؤولين الذين يسيؤون استخدام سلطتهم، وأن تكون السلطة القضائية في مأمن من الضغوط السياسية، والتحقيق مع الذين وضعوا القضاء تحت الضغط.
وقد أعلنت منظمة هيومان رايتس ووتش أن هذه المحاكمات لا تصل إلى مستوى العدل العالمي، وأن التغييرات التي أحدثت في قوانين بنجلاديش لا ترقى أبداً للمستوى المطلوب، مما يعرض قادة الجماعة الإسلامية السابقين لاعتقال تعسفي ومحاكمات سياسية جائرة وأحكام ظالمة.
وأوضحت المنظمة أن نظام المحاكمة في بنجلاديش يحتاج إلى تعديلات لضمان العدالة، منها: السماح للمتهم بالتأكد من مدى حيادية من يحاكمه، وتعريف مصطلح جرائم الحرب لأنه غير واضح في القانون البنجلاديشي ولم يعدل طبقاً للمعايير الدولية، والتأكد من أن الدفاع يأخذ الوقت اللازم للاستعداد؛ لأن القانون الحالي يسمح له فقط بثلاثة أسابيع، وإنشاء مكتب للدفاع كما هو الحال في البلاد الأخرى.
الجماعة ترفض والعلمانيون يسيؤون ويحرضون
رفضت الجماعة الإسلامية الأحكام الجائرة الصادرة عن المحكمة بحق قادتها ورموزها، وأصدرت بياناً طالبت فيه المجتمع الدولي بأن يقوم بدوره في مخاطبة رئيسة وزراء بنجلاديش بأن توقف فوراً مهزلة المحكمة الجائرة التي تود عبرها تلفيق التهم ضد قادتها الأبرياء؛ توطئة لشنقهم. وناشد البيان الأمم المتحدة أن تقوم بإدارة محكمة جرائم الحرب والضغط على الحكومة للإفراج عن قادة الجماعة الإسلامية المعتقلين بكفالة. كما طالبت منظمة المؤتمر الإسلامي بإصدار بيان علني يدين النشاط غير القانوني لحكومة بنجلاديش، واستضافة اجتماع وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، وانتقاد ما يسمى المحكمة الجنائية ببنجلاديش بأنها عملية غير متناسقة مع المعايير الدولية.
وخرج أنصار الجماعة الإسلامية إلى الشارع رفضاً لهذه الأحكام الجائرة، وتصدت لهم الحكومة، ووقع كثير من القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين، وحذرت الجماعة الحكومة من مغبّة تنفيذ حكم الإعدام بحق قادتها، فإنها وحدها تتحمّل عواقب هذه الفعلة المشينة، وقالت إنه "في حال رأت هذه الحكومة أنه لا يمكن أن تتعايش في سلام مع هؤلاء العلماء، فإننا نطالب بترحيلهم خارج بنجلاديش رغم أن مسلمي الداخل أولى بوجودهم وجهودهم، لكن على الأقل بقاؤهم أحياء هو ذخر للأمة وركن متين ينفع الله به المسلمين عامة".
أما التيار العلماني فقد نظم تظاهرات في العاصمة البنجالية دعا فيها إلى تنفيذ أحكام الإعدام ضد قادة ورموز الجماعة الإسلامية، ضارباً بعرض الحائط الانتقادات الحقوقية الكثيرة التي وجهت للمحكمة، متنكراً لكل خطاباته الرنانة حول احترام حقوق الإنسان وحرياته.
في الوقت ذاته، تطاول العلمانيون على المقدسات والشعائر الإسلامية، ووجّه المدونون العلمانيون إساءات بالغة للإسلام والمسلمين، فيما تشير أصابع الاتهام إلى شيخة حسينة بالوقوف وراء تلك الإساءات؛ لهدم الثوابت الإسلامية، فتطاول أحدهم على رب العزة - سبحانه وتعالى - وعلى نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، فيما قال آخر معلقاً على أحكام الإعدام "إنه لا أحد يستطيع أن يوقف حُكم الإعدام في الشيوخ المذكورين، حتى لو نزل الله للحيلولة دونه لشَنَقْنَاه كذلك"، وذلك دون أن تحرك الحكومة ساكناً لمعاقبة هؤلاء، ما أدى إلى تزايد الشكوك بوقوفها وراء تلك الهجمة على الثوابت الإسلامية.
قابل المسلمون في بنجلاديش هذه الإساءات بموجة غضب عارمة، ودعت الجماعة الإسلامية أنصارها وجميع المسلمين للخروج في تظاهرات حاشدة للتنديد بهؤلاء المدونين، والدعوة إلى فرض قيود صارمة على المدونين الذين يسيؤون إلى الإسلام، وإنزال عقوبة الإعدام بهم، وشارك في التظاهرة مئات الآلاف، ووفقاً لبعض التقديرات فقد وصل عدد المتظاهرين لنحو ثلاثة ملايين متظاهر هتفوا "الله أكبر، الشنق للمدونين الملحدين".
خاتمة
إن تدافع الأحداث على هذا النحو بين محاولات القضاء على الجماعة الإسلامية وفتح ملفات مضى عليها عقود من الزمان، ومحاكمات مسيّسة تتساقط عليها الانتقادات كما الأمطار، والتضييق على الأنشطة التربوية والاجتماعية، والتغيير في الدستور لترسيخ علمنة البلاد، والهجوم على الثوابت والمقدسات الإسلامية؛ ليؤكد أن هناك صراعاً قوياً بين العلمانية والإسلام، وأن الحكومة البنجالية الحالية تشن حرباً شرسة على الدين الإسلامي والهوية الإسلامية في البلاد، ولكي تحقق نجاحاً في ذلك ينبغي توجيه ضربات قاضية إلى الجماعة الإسلامية التي كان لها – بفضل الله - الدور الأبرز في الحفاظ على هوية البلاد، ونشر الدعوة الإسلامية، وهو ما تقوم به الحكومة.