يهمنا رأيك

زائرنا الكريم، زيارتك تشرفنا، وتعليقك على المحتوى يسعدنا، فأيا كان رأيك، متفقا معنا أو مختلف، فنحن نرحب به ونضعه نصب أعيننا، طالما كان بعيدا عن السب والتجريح
**مجدي داود**

الخميس، 27 يونيو، 2013

سيناريوهات 30 يونيو .. مصر نحو المجهول

مجدي داود

بدأت قبل أسابيع الدعوة إلى احتجاجات قوية يوم 30 يونيو المقبل، لإسقاط نظام الرئيس محمد مرسي، وجماعة الإخوان المسلمين، حيث يتوافق ذلك مع مرور عام على تولي الرئيس مرسي حكم البلاد، وبدأت قوى المعارضة التحضير لهذه الاحتجاجات، فكانت حملة تمرد التي استطاعت جمع عدد لا بأس به من التوقيعات، ووصلت إلى عدد لا بأس به من القرى والنجوع في الأماكن البعيدة، رغم أنها بالغت كثيرًا في الأرقام التي أعلنتها، وبدأت المعارضة في الترويج إلى أن هذه الاحتجاجات هي الحاسمة التي ستطيح بالإخوان نهائيًا من سدة الحكم، وتعيدهم إلى السجون والمعتقلات مرة أخرى.

وبدأت وسائل الإعلام المصرية التي يملكها فلول النظام السابق والمستفيدون منه وذوو التوجهات العلمانية والليبرالية والشيوعية، والمفسدون الخائفون من قيام النظام الحالي بفتح ملفات فسادهم، في الترويج والتضخيم لهذه الاحتجاجات، والزعم بأنها حتمًا ستطيح بالإخوان، وأن حملة تمرد جمعت ملايين التوقيعات، ما يدل على الرفض الشعبي الجارف لبقاء مرسي على سدة الحكم، بل وحُشد الناس حشدًا إلى التوقيع على استمارات "تمرد" والنزول إلى التظاهر يوم 30 يونيو، باعتباره الحل الأمثل والأوحد للخروج من الأزمات المتتالية التي تعاني منها البلاد، وعلى رأسها "ارتفاع مضطرد في الأسعار، نقص الوقود، انقطاع الكهرباء، نقص المواد التموينية، غياب الأمن والاستقرار"، مع ترويج شائعات، واستغلال لأخبار أخرى صحيحة تخص المواطن البسيط وتزيد العبء على كاهله.

كما بدأت قوى البلطجة في الاستعداد لهذا اليوم، لإثارة الفتنة والخراب والدمار في البلاد، إدراكًا منها أن هذه هي الفرصة الأخيرة لإزاحة الرئيس مرسي وجماعة الإخوان عن سدة الحكم، وأنهم إن فشلوا هذه المرة، فلن يستيطعوا فعل شيء في المستقبل، وسيترسخ لدى المواطن العادي أن المعارضة الحالية هي مجرد أبواق إعلامية لا وجود لها ولا تأثير في الشارع المصري، وغير قادرة على منافسة الإخوان.

على ماذا يراهنون؟

يراهن هؤلاء أولاً على حالة السخط الشعبي المتزايدة تجاه الرئيس المصري وحكومته وجماعته، فقد ارتكب الرئيس وحكومته عدة أخطاء ساهمت في زيادة العبء على كاهل المواطنين، ولم يستطع إصلاح تلك الأخطاء، كما صدرت بعض التصريحات غير المسؤولة من بعض مسؤولي الجماعة وحزبها السياسي، صورها الإعلام وكأن الدولة سقطت في براثن الجماعة، مع تضخيم الإعلام للعديد من المشاكل المتراكمة والموروثة وتصويرها وكأنها لم تظهر إلا في عهد الرئيس الحالي، كل ذلك من شأنه زيادة نسبة المشاركة في الاحتجاجات.

ويراهن المحتجون على إراقة الدماء، وسقوط القتلى والجرحى كهدف أساسي لا بد من تحقيقه في أول أيام الاحتجاجات، فيتم استنفار الشعب كله، وذلك بفعل التأثير الإعلامي الذي لا يقابله إعلام قوي يكشف الحقيقة بوضوح، ومع سقوط الدماء يتم إعلان الاعتصام وفتح جبهات كثيرة للمواجهات مع أجهزة الأمن وأعضاء الجماعات الإسلامية كافة والإخوان المسلمين خاصة، والهجوم على مقراتهم ومكاتبهم، فتزيد حدة المواجهات، ويكثر القتلى والجرحى، وبالتالي يخسر الرئيس ما تبقى له من شعبية في الشارع، وتسقط شرعيته بعدم حفظه دماء شعبه، ويتم إذاعة بيان عزل مرسي وتنصيب مجلس رئاسي بديل.

كما يراهن المحتجون على مواقف الجيش وقوات الأمن المصرية، فهم يأملون أن تكرر قوات الأمن انسحابها من الشارع بعد وقوع عدد من القتلى والجرحى، حيث يسيطر المحتجون على العديد من المقرات الحيوية والإستراتيجية في البلاد، كما يأملون أن يقرر الجيش النزول إلى الشارع مرة أخرى، وتلبية مطالبهم على غرار ما حدث إبان ثورة 25 يناير، والإطاحة بالرئيس وجماعته، وتأمين المجلس الرئاسي أو الرئيس الذي سيعلنونه.

سيناريوهات متوقعة:

ثمة ثلاث احتمالات لما قد يحدث في هذه الاحتجاجات وما ينتج عنها، أحدهم أن يمر هذا اليوم كغيره من أيام الاحتجاجات التي عاشتها مصر سابقًا مع بعض الاشتباكات بين المحتجين والمؤيدين للرئيس محمد مرسي، ولكن هذا احتمال ضعيف ومستبعد، إذ أن تصريحات الداعين للاحتجاجات والشواهد التي تحدث هذه الأيام، تشير إلى أنهم ماضون في طريق التخريب والتدمير إلى أن يمنعهم من ذلك مانع أو يحققوا هدفهم الذي خرجوا له ويسقطوا الرئيس المنتخب وحكومته.

الاحتمال الثاني: هو نجاحهم –لا قدر الله- في عزل الرئيس محمد مرسي بعد اقتحام عدد من المباني السيادية في البلاد والسيطرة عليها، بمعاونة بعض من فيها من قيادات أمنية لا تزال توالي النظام السابق وتعمل في خدمته حتى اللحظة، وحينها ستدخل مصر مرحلة من الفوضى والاقتتال والحرب الأهلية لم تشهد لها مثيلاً على مدار تاريخها، إذ أنه سيعني ببساطة نجاح البلطجة وقوة الذراع في السيطرة على الحكم في البلاد، وهو أمر لم تعرفه مصر من قبل، حتى في عصر المماليك لم تكن خلافات الأمراء المماليك تنزل إلى مستوى العامة، والشعب ولم يكونوا يتدخلون فيها، بل كانت حروبهم ومعاركهم خفية إما داخل جدران القصور أو خارج المناطق السكنية في الصحراء.

كما تكمن خطورة نجاح هذا السيناريو في عدم وجود رؤية واضحة لدى المحتجين على الخطوات التالية لسقوط مرسي، فمن سيتولى الحكم من بعده؟ وماذا عن موقف الجماعات والقوى الإسلامية؟ وكيف سيتم التعامل معهم ورد الفعل المتوقع منهم؟ وهل هم قادرون على تولى شؤون البلاد؟ وماذا إن اندلعت حرب أهلية؟ أو تفاقمت الأزمات الأمنية والاقتصادية في البلاد، والتي لم يطرحوا لها أي حلول قبل اليوم؟.

وأما الاحتمال الثالث: في ظل إعلان القوى الإسلامية النزول في نفس اليوم أو قبله بيومين والاعتصام أمام قصر الاتحادية، فمن المتوقع وقوع اشتباكات بين المؤيدين للرئيس والمحتجين، وهجوم على مقرات جماعة الإخوان المسلمين، إلا أن أنصار القوى الإسلامية سيثبتون في الدفاع عن أجهزة الدولة ومقراتها، إلى أن يتفرق المحتجون.

ولكن خطورة هذا السيناريو هو في اتساع دائرة الاشتباكات إلى المحافظات والمدن المختلفة، وتخلف أجهزة الأمن عن القيام بواجبها، وقيام البلطجية والمخربين بعمليات تدمير وتخريب ممنهجة للممتلكات العامة والخاصة، وعدم قدرة الدولة على السيطرة على الاحتجاجات، ما يعني تفاقم حالة الفوضى وغياب الأمن وتعقد الحالة السياسية في البلاد، وهو ما قد يسحب بساط الشرعية من تحت الرئيس محمد مرسي لعدم قدرته على حماية المواطنين وتطبيق القانون بحسم على الجميع.

تجنب الاحتكاك:

إن السيناريوهين السابقين سيؤديان بشكل أو بآخر إلى انهيار الدولة وتآكلها، ولن يعود عليها بأي نفع، ولهذا فلا بد من التعامل بحكمة مع الأحداث، حتى يمكن امتصاص الغضبة وتفادي نتائجها السيئة، ومن أهم الأمور التي يجب القيام بها ما يلي:

1.  على القوى الإسلامية أن تتجنب –بقدر الإمكان- الاحتكاك بالمحتجين أو التعرض لهم أو الاشتباك معهم، إلا عند الضرورة القصوى، مع ضرورة تصوير كل محاولات التعدي على المقرات الخاصة والشخصيات والرموز السياسية والقيادية، وذلك لتجنب سقوط قتلى وجرحى تؤدي إلى تصعيد الاحتجاجات.

2.  أن تدرك القوى الإسلامية كافة أن مهمتها ليست حماية القصور الرئيسية أو أجهزة الدولة السيادية، ويجب ألا تتواجد أمام هذه المباني والمقرات الاستيراتيجية في البلاد خلال فترة الاحتجاجات، وعلى الرئيس أن يكلف أجهزة الدولة المعنية بحماية تلك المقرات وعدم السماح لأي جهة باقتحامها مهما كانت تلك الجهة.

3.  على القوى الإسلامية أن تكون على أهبة الاستعداد لمواجهة أية طوارئ، مع عدم الاحتكاك بالمحتجين، وأن تكتفي بالإعلان أنها ستراقب الموقف وحركة المحتجين وتطورات الأمور، ويكون لديهم خطط لمواجهة سيناريوهات إعلان عزل الرئيس أو إصابته بأي أذى –لا قدر الله- بحيث يتم اتخاذ قرارات سريعة وواضحة حينها.

4.  يجب على قيادات ورموز القوى الإسلامية التوقف عن إصدار تصريحات استفزازية، يستغلها الإعلام لترويع الشعب وإخافته ودفعه للمشاركة في الاحتجاجات، وكذلك عدم اتخاذ قرارات حكومية من شأنها زيادة العبء على كاهل المواطنين.

5.  على الرئيس أن يكلف وزارة الداخلية بإصدار بيان يتضمن المناطق المحظور التظاهر فيها، وتوضيح كيفية التعامل مع المحتجين إذا اقتربوا من هذه الأماكن وقواعد الاشتباك معهم، ونشر ذلك البيان على نطاق واسع في كافة وسائل الإعلام حتى يوم التظاهر، مع ضرورة وضع كاميرات تصوير ظاهرة وخفية أعلى تلك المباني حتى يتم تصوير كل ما يحدث حولها وفي داخلها إذا تم اقتحامها.
خاتمة:

وأخيرًا، وبعد أن تنقضي هذه الغمة، إن شاء الله، يجب على الرئيس وجماعته أن يمدا أيديهما إلى القوى الوطنية كافة لإيجاد الحلول والمخارج من الأزمات التي تمر بها البلاد، وبخاصة الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها الفئات الفقيرة، وألا يركنوا إلى الفخر والاعتزاز بالنفس في غير محله، حتى لا يصابوا بغرور القوة، فيتوالى فشلهم، بل إنها ستكون فرصة، ربما غالبًا، هي الأخيرة لإثبات جدارتهم لحكم البلاد وقيادة الشعب المصري إلى النهوض والتقدم.

صحفي مصري.



الثلاثاء، 11 يونيو، 2013

مثنى الضاري في حوار مع " البيان": صراع العراق يتسع بإرادة شعبية

أجرى الحوار: أ. مجدي داود


لا تزال بلاد الرافدين تعاني ويلات الاحتلال الأمريكي الذي استمر عدة سنوات، فقد خرج الاحتلال ليترك خلفه طائفية بغيضة على رأس الحكم، تمارس كل أنواع الديكتاتورية والاستبداد، ضد أهل السنة وهم مكون رئيسي من مكونات الشعب العراقي، إلا أنهم مهضومي الحق منذ الاحتلال عقابا لهم على وقوفهم في وجهه، ورفعهم السلاح ضده وإعلان الجهاد حتى تحرير العراق.
ولقد صبر اهل السنة طويلا على هذا الظلم والاستبداد، حتى ضاقوا ذرعا، فانتفضوا في ديسمبر الماضي معلنين الاعتصام في الساحات حتى تحقيق المطالب التي رفعوها، وسط تجاهل حكومة المالكي التي قامت مؤخرا باقتحام إحدى ساحات الاعتصام السلمي ما تسبب في مقتل العشرات من المعتصمين الأبرياء.
حول الانتفاضة السنية وردود فعل قوات المالكي ورفضه الاستجابة للمطالب ومذبحة الحويجة دار هذا الحوار مع الدكتور مثنى حارث الضاري مسؤول قسم الثقافة والإعلام بهيئة علماء المسلمين في العراق.
واعتبر الضاري أن ما يحدث في العراق اليوم هو إحدى حلقات الصراع بين الاحتلال الأمريكي وآثاره وبين القوى المناهضة لهما، مشيرا إلى ان المالكي يراهن على عامل الوقت لتصفية هذه الانتفاضة والحراك السني، وأنه أقدم على جريمة الحويجة لاستكشاف رد الفعل لكي يكمل تنفيذ مخططه، وشدد على أن اهل السنة ماضون في طريقهم متمسكين بثوابتهم، وأن هناك اتفاق على ضرورة حماية النفوس وصون الدماء وانتزاع الحقوق انتزاعا.
وإلى نص الحوار:
البيان: بداية صف لنا المشهد السياسي الحالي في العراق .
المشهد السياسي حاليا في العراق مضطرب اشد الاضطراب وليس هذا بمستغرب؛ فهو نتاج متوقع لعملية سياسية في ظل احتلال؛ ومخرج موافق لمدخلات دستور مسخ مهد لكل ما يحصل الآن. ويمكن تقدير الحالة في العراق بشكل مختصر بوصفها: صفحة جديدة من صفحات الصراع بين الاحتلال وآثاره والقوى المناهضة لهما، مع فارق مهم هذه المرة هو في اتساع حالة الصراع واتخاذها بعدا جماهيريا كبيرا وتمتعه من طرف القوى المناهضة للاحتلال بحاضنة شعبية تعيد إلى الأذهان ما كانت عليه الأوضاع بعيد الاحتلال في عام 2003م. ويمثل طرف الاحتلال المالكي بحكمه الدكتاتوري المتصف بكل صفات الاستبداد السياسي والمتمتع بدوره بكل عوامل العنجهية والغرور والتوسل بالسلطة وطغيانها للبقاء في الحكم بأي طريقة ممكنة وبواسطة استخدام كل وسائل القوة والبطش الممكنة.. كل هذا على الرغم من تمتع الثورة الشعبية بالسلمية وعدم تقاطعها حتى مع مقتضيات الدستور المسخ نفسه.
البيان: لماذا يصر نوري المالكي على عدم الاستجابة لمطالب المعتصمين؟
- عدم استجابة نوري المالكي نابعة من أمرين:
أ‌- هو يعتقد أن الاستجابة لهذه المطالب؛ تمثل عامل ضعف قد يعزز إمكانات الانتقام من سلطته، وينظر إليها على انها مطالب تصطدم مع المقومات الأساسية لبقاء حكومته واستقرارها.
ب‌- مراهنته على عامل الوقت لغرض إنهاء الاعتصامات والتظاهرات بالقوة التي لا يمتلك كل عواملها في الوقت الحاضر، بانتظار تنفيذ صفقات السلاح التي ابرمها هنا وهناك؛ ليستخدمها في إنهاء التظاهرات والاعتصامات بالقوة. وخيار القوة هو خياره الذي صرح به منذ البداية ومازال مصراً عليه.
البيان:لماذا أقدم المالكي على التصعيد واقتحام ساحة الحويجة؟
الضاري : هو يراهن على عامل الوقت، وقضم والاعتصامات واحدا بعد آخر بكل الطرق الممكنة. وقد توهم بأنه يمكنه البدء بالحويجة لإرهاب الساحات الأخرى وإجبارها على حل نفسها بنفسها. وتم اختيار الحويجة بسبب بعدها عن بغداد أولاً وتذرعه بحادث عرضي حدث قريباً منها.
البيان: هل لذلك الأمر علاقة بالتطورات على الساحة الإقليمية؟
نعم هو متعلق بشكل كبير بالإحداث في سوريا وتطوراتها فالنظام المالكي ينظر للملفين السوري والعراقي نظرة واحدة ويعمل فيهما وفقاً لذلك. ويعي تماماً مدى التعاطف الكبير بين الشعبين والقضيتين، ومدى تأثير تداعيات انتصار أي ساحة منهما على الأخرى؛ ولذا تجده يعمل على المساهمة بكل قوة في دعم النظام السوري وتوفير ما يستطيع من احتياجاته اللوجستية وغيرها.
البيان: ما تعليقك على الانتخابات المحلية العراقية ونتائجها؟
يمكن تلخيصها بأنها: مثلها مثل غيرها صفة ونتيجة وواقعا ومآلا، مع تراجع ملحوظ للمالكي. فضلاً عن الأوضاع المضطربة التي اجريت فيها، وهي ظروف غير طبيعية ولا تسمح بإجراء أية انتخابات حقيقية فيها_بغض النظر عن موقفنا الرافض لها_. فالبلاد تكاد تشتعل وست محافظات تعلن جهارا ونهارا معارضتها للحكومة ومطالبتها بالتغيير الكامل.
البيان: لماذا يرفض المالكي إقامة إقليم لأهل السنة مع إن الدستور يسمح بذلك؟
كان المالكي يطمح مع غيره للأقاليم قبل سنوات؛ أما وقد حصل على العراق كله فما الداعي اذن لفيدراليات قد تعكر قليلا على مركزية الحكم التي يبغيها، فضلاً عن تداعيات الثورة السورية.
البيان: ما هي الخيارات المطروحة أمامكم في حال إصرار المالكي على عدم الاستجابة للمطالب؟
في الحقيقة لا خيارات مطروحة، وما يعلن عن الخيارات إنما هي وسائل للصراع السياسي ضد حكومة الاحتلال الخامسة ومحاولات لإرغام انفها ورد حججها. والمتفق عليه بين الجميع بغض النظر عن الاختلافات التفصيلية؛ هو ضرورة حماية النفوس وصون الدماء وانتزاع الحقوق انتزاعا. وهذا التوجه يلقى قبولاً الآن وتصاعدا وتناميا يوما بعد يوم.
البيان: هل هناك أي احتمال لحمل السلاح في مرحلة من المراحل ضد الحكومة؟ ولماذا؟
السلاح حمل الآن من قبل العشائر التي يقوم ثوارها الآن بالتصدي لمحاولات إرهاب المالكي وهجماته على المدن والقرى واستهدافه للناشطين في ساحات التظاهر والاعتصامات. واحتمالات تطور هذه الظاهرة واتساعها وانتشارها على مساحات أكبر؛ متوقع بشكل كبير. وتشير المعطيات على الارض فضلاً عن تصاعد نبرة الخطاب الشعبي ومطالبة الجماهير بالحل بالقوة إلى ان هناك استعدادت حقيقية لذلك سواء في صفوف أبناء العشائر أو في صفوف أبناء فصائل المقاومة.
البيان: كيف ترى مستقبل العراق في المستقبل القريب؟
مستقبل حافل بكل المخاطر، ولكنه مستقبل واعد بعون الله؛ فمادامت الثورة الشعبية قد انطلقت فيه؛ فإن الساعة لن تعود إلى الوراء.ِ وبوادر التغيير تلوح الآن في الأفق، فضلاً عن متغيرات محسوسة وملموسة. ولعل الأوضاع المضطربة الآن على الأصعدة السياسية والميدانية تدل على ذلك.



الخميس، 6 يونيو، 2013

بنجلاديش والانتقام من الهوية الإسلامية

تشهد "بنجلاديش" اليوم أزمة خطيرة، حيث تنتشر الفوضى والعنف، ويشتعل المسلمون غضباً، وسط ترقب لما سيحدث خلال الأسابيع القليلة المقبلة، بعد صدور أحكام بالإعدام على بعض قادة ورموز "الجماعة الإسلامية"، على خلفية ما تقول الحكومة إنها "جرائم قتل وإرهاب" قاموا بها خلال "حرب الانفصال" عن باكستان عام 1971م، وهي الأحكام التي وصفتها الجماعة الإسلامية ومؤسسات حقوقية بأنها أحكام مسيّسة ناتجة عن محاكم مسيّسة، كما ظهرت دلائل على تدخّل الحكومة في عمل المحكمة وإجبار القضاة على إصدار أحكام الإعدام تلك.. في المقابل يصرّ التيار العلماني على تنفيذ الأحكام، متجاهلاً كافة المآخذ القانونية على المحكمة، فيما يعتبر حرباً شديدة على الجماعة الإسلامية وانتقاماً من الهوية الإسلامية للبلاد التي تسعى الجماعة للحفاظ عليها.
بنجلاديش هي سابع أكبر دول العالم من حيث عدد السكان، إذ إن عدد سكانها نحو 160 مليون نسمة، 96% منهم مسلمون، فهي رابع أكبر الدول من حيث عدد المسلمين فيها، ويعتبر الإسلام الديانة الرسمية داخلها، لكن تعيش الديانات الأخرى وتمارس شعائرها في سلام، واستقلت بنجلاديش عن باكستان عام 1971.
قصة الانفصال
يرى كثير من المؤرخين أن بذور انفصال بنجلاديش عن باكستان زرعت يوم تقسيم شبه القارة الهندية حين رفض المستعمر البريطاني وصل باكستان ببنجلاديش جغرافياً، فصارت الدولة الواحدة منقسمة جغرافياً إلى منطقتين بعيدتين؛ باكستان والتي عرفت حينها بباكستان الغربية، وبنجلاديش التي عرفت بباكستان الشرقية، وشجعت الهند انفصال بنجلاديش عن باكستان، وذلك عن طريق بعض البنجاليين الذين كانوا يرددون أن البنجاليين لا يحظون بنفس الاهتمام والمعاملة الذي يحظى به الباكستانيون، وزاد ترويج هذا الأمر حتى انتخابات عام 1970 التي فاز فيها حزب "مجيب الرحمن" من بنجلاديش بالأغلبية النيابية، وكان قد قدم مقترحاً من ست نقاط يمثل بذرة انفصال بنجلاديش، فرفض الجنرال يحيى خان الذي يصر على الوحدة، تسليم السلطة لمجيب الرحمن، وقامت حرب أهلية، حتى أعلن الجيش الباكستاني في بنجلاديش استسلامه أمام الجيش الهندي الذي خاض حرباً ضد باكستان لدعم انفصال بنجلاديش.
كانت الجماعة الإسلامية في ذلك الوقت ترفض انفصال بنجلاديش؛ إدراكاً منها لخطورة تقسيم البلاد، والارتماء في الأحضان الهندية، وقد انتقمت منها الحكومة البنجالية على الفور بعد الانفصال، حيث سجنت الآلاف من المعارضين للانفصال، ثم تم العفو عنهم ضمن اتفاقية ثلاثية تمت بين بنجلاديش وباكستان والهند، كما تم العفو عن 195 عسكرياً لم يكن من بينهم أي من قادة الجماعة الإسلامية الذين يحاكمون الآن.
محاكمة بعد 37 عاماً
الجماعة الإسلامية هي أكبر القوى الإسلامية في بنجلاديش، وإلى جانبها توجد قوى أخرى، مثل: مجلس الخلافة وحركة الخلافة، والتيار السلفي الذي يُعنى بعلم التوحيد، وجماعة التبليغ والدعوة وهي لا تهتم بالشؤون العامة وليس لها دور في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أنها تمتلك وتدير العديد من المؤسسات، ومنها: جمعية العمال، وجمعية الفلاحين، وجمعية التربية الإسلامية، ومطبوعة يومية، وأخرى أسبوعية، وثالثة شهرية، فضلاً عن إدارة العديد من المدارس وثلاث جامعات حكومية تحظى بحضور إسلامي قوي في أوساط الطلاب.
خلال السنوات الأخيرة تعاظمت قوة الجماعة الإسلامية، وصارت تمثل قوة سياسية واجتماعية مهمة في البلاد، فالمعارضة الرئيسية تتمثل في الحزب الوطني البنجلاديشي وتقوده خالدة زيوار، والتي وجدت حلفاءها بين الأحزاب الإسلامية، مثل: الجماعة الإسلامية البنجلاديشية، وجماعة أويكا جوتا الإسلامية، بينما انحازت رابطة عوامي التي تنتمي إليها رئيسة وزراء بنجلاديش الحالية شيخة حسينة ابنة شيخ مجيب الرحمن الذي أعلن استقلال البلاد عام 1971 وأصبح رئيسها المؤسس بعد الحرب؛ إلى اليساريين والأحزاب العلمانية.
وقد أزعج هذا الوضع التيار العلماني الذي يسيطر على الحكم في البلاد، فأثار قضية الانفصال مجدداً بعد مرور 37 عاماً عليها، وطالبوا بمحاكمة قادة الجماعة الإسلامية بدعوى ارتكابهم جرائم حرب ونهب وسلب وتأييدهم الجيش الباكستاني خلال حرب الانفصال، كما قررت الحكومة، بقيادة رئيسة الوزراء الشيخة حسينة، حظر أي ممارسة إسلامية سياسية ومنع التعليم الإسلامي، وشنت حرباً شرسة ضد الجماعة الإسلامية وأنشطتها السياسية والاجتماعية والتربوية والدعوية، وذلك تحت ضغط الشيوعيين في الحكومة، وهم لا يقلون عن نصف عدد الوزراء؛ للقضاء على الجماعة الإسلامية وتضييق الخناق على قادتها، حتى إن الحكومة قامت بحذف البند الأساسي من دستور البلاد وهو الإيمان بالله وتكوين العلاقة مع الدول المسلمة.
وفي عام 2009 قدمت الأمم المتحدة دعماً للحكومة البنجالية لمحاكمة قادة الجماعة الإسلامية بتهمة ارتكاب جرائم حرب خلال حرب الانفصال، وطلبت الحكومة البنجالية من باكستان والولايات المتحدة تزويدها بالوثائق الخاصة التي تتصل بالحرب، في الوقت ذاته ترفض محاولات المحامين الدوليين التدخل بدعوى أن هذا أمر داخلي، وأنشأت الحكومة محكمة خاصة بجرائم الحرب بغرض "محاكمة كل من أدين بالتعاون مع القوات الباكستانية خلال حرب الاستقلال وارتكاب جرائم حرب".
أحكام الإعدام وانتقادات حقوقية
أصدرت المحكمة حكماً بالإعدام على عدد من أكبر رموز الجماعة الإسلامية، على رأسهم اثنان من كبار شيوخ البلاد وعلمائها، وهما: الشيخ دِلْوَار حسين سعيدي، والشيخ أبو الكلام آزاد، وقد لاقت تلك الأحكام انتقادات واسعة من قبل عديد من الهيئات والمنظمات الحقوقية الدولية، مثل: منظمة العفو الدولية، ومنظمة هيومان رايتس ووتش، ورابطة المحامين الدولية، والمركز الدولي للعدالة الانتقالية، والاتحاد الدولي للقضاء، وكذلك عدد من الشخصيات والرموز السياسية العالمية، مثل: الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وعدد من أعضاء مجلس اللوردات بالمملكة المتحدة.
وقال الاتحاد الدولي للقضاء في تقريره عن هذه المحاكمات الذي نشر في 22 يناير الماضي، بعد أن شكل وفداً من 14 عضواً زار بنجلاديش في ديسمبر الماضي لمراقبة وقائع المحكمة؛ إنه يجب إيقاف حكم الإعدام على "أبي الكلام آزاد" والمحاكمات الأخرى؛ نظراً لأن بنجلاديش لا تؤمِّن محاكمة عادلة للمتهمين، وأن المحاكمة لا يمكن أن تطابق المعايير الدولية؛ لأن القاضي والمدعي العام ولجنة التحقيق عُيِّنوا كلهم من قبل الحكومة، والمتهمون هم سياسيون حزبيون من المعارضة، ومحاكمة بهذا الشكل لا يمكن أن تكون خاضعة للمعايير الدولية.
واقترح التقرير 12 خطوة لتأمين محاكمة عادلة لقادة الجماعة الإسلامية، على رأسها: تجريد القضية من العناصر السياسية، والتعامل معها على أساس قانوني، وتعريف الجرائم التي وردت في محكمة جرائم الحرب بشكل واضح، وإعادة تعيين القضاة لضمان الحياد، واستبدال القضاة والمدعين العامين وغيرهم في القضية، وتعيين قضاة محايدين ومدعين عامين يتّسمون بالنزاهة، والتحقيق مع المسؤولين الذين يسيؤون استخدام سلطتهم، وأن تكون السلطة القضائية في مأمن من الضغوط السياسية، والتحقيق مع الذين وضعوا القضاء تحت الضغط.
وقد أعلنت منظمة هيومان رايتس ووتش أن هذه المحاكمات لا تصل إلى مستوى العدل العالمي، وأن التغييرات التي أحدثت في قوانين بنجلاديش لا ترقى أبداً للمستوى المطلوب، مما يعرض قادة الجماعة الإسلامية السابقين لاعتقال تعسفي ومحاكمات سياسية جائرة وأحكام ظالمة.
وأوضحت المنظمة أن نظام المحاكمة في بنجلاديش يحتاج إلى تعديلات لضمان العدالة، منها: السماح للمتهم بالتأكد من مدى حيادية من يحاكمه، وتعريف مصطلح جرائم الحرب لأنه غير واضح في القانون البنجلاديشي ولم يعدل طبقاً للمعايير الدولية، والتأكد من أن الدفاع يأخذ الوقت اللازم للاستعداد؛ لأن القانون الحالي يسمح له فقط بثلاثة أسابيع، وإنشاء مكتب للدفاع كما هو الحال في البلاد الأخرى.
الجماعة ترفض والعلمانيون يسيؤون ويحرضون
رفضت الجماعة الإسلامية الأحكام الجائرة الصادرة عن المحكمة بحق قادتها ورموزها، وأصدرت بياناً طالبت فيه المجتمع الدولي بأن يقوم بدوره في مخاطبة رئيسة وزراء بنجلاديش بأن توقف فوراً مهزلة المحكمة الجائرة التي تود عبرها تلفيق التهم ضد قادتها الأبرياء؛ توطئة لشنقهم. وناشد البيان الأمم المتحدة أن تقوم بإدارة محكمة جرائم الحرب والضغط على الحكومة للإفراج عن قادة الجماعة الإسلامية المعتقلين بكفالة. كما طالبت منظمة المؤتمر الإسلامي بإصدار بيان علني يدين النشاط غير القانوني لحكومة بنجلاديش، واستضافة اجتماع وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، وانتقاد ما يسمى المحكمة الجنائية ببنجلاديش بأنها عملية غير متناسقة مع المعايير الدولية.
وخرج أنصار الجماعة الإسلامية إلى الشارع رفضاً لهذه الأحكام الجائرة، وتصدت لهم الحكومة، ووقع كثير من القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين، وحذرت الجماعة الحكومة من مغبّة تنفيذ حكم الإعدام بحق قادتها، فإنها وحدها تتحمّل عواقب هذه الفعلة المشينة، وقالت إنه "في حال رأت هذه الحكومة أنه لا يمكن أن تتعايش في سلام مع هؤلاء العلماء، فإننا نطالب بترحيلهم خارج بنجلاديش رغم أن مسلمي الداخل أولى بوجودهم وجهودهم، لكن على الأقل بقاؤهم أحياء هو ذخر للأمة وركن متين ينفع الله به المسلمين عامة".
أما التيار العلماني فقد نظم تظاهرات في العاصمة البنجالية دعا فيها إلى تنفيذ أحكام الإعدام ضد قادة ورموز الجماعة الإسلامية، ضارباً بعرض الحائط الانتقادات الحقوقية الكثيرة التي وجهت للمحكمة، متنكراً لكل خطاباته الرنانة حول احترام حقوق الإنسان وحرياته.
في الوقت ذاته، تطاول العلمانيون على المقدسات والشعائر الإسلامية، ووجّه المدونون العلمانيون إساءات بالغة للإسلام والمسلمين، فيما تشير أصابع الاتهام إلى شيخة حسينة بالوقوف وراء تلك الإساءات؛ لهدم الثوابت الإسلامية، فتطاول أحدهم على رب العزة - سبحانه وتعالى - وعلى نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، فيما قال آخر معلقاً على أحكام الإعدام "إنه لا أحد يستطيع أن يوقف حُكم الإعدام في الشيوخ المذكورين، حتى لو نزل الله للحيلولة دونه لشَنَقْنَاه كذلك"، وذلك دون أن تحرك الحكومة ساكناً لمعاقبة هؤلاء، ما أدى إلى تزايد الشكوك بوقوفها وراء تلك الهجمة على الثوابت الإسلامية.
قابل المسلمون في بنجلاديش هذه الإساءات بموجة غضب عارمة، ودعت الجماعة الإسلامية أنصارها وجميع المسلمين للخروج في تظاهرات حاشدة للتنديد بهؤلاء المدونين، والدعوة إلى فرض قيود صارمة على المدونين الذين يسيؤون إلى الإسلام، وإنزال عقوبة الإعدام بهم، وشارك في التظاهرة مئات الآلاف، ووفقاً لبعض التقديرات فقد وصل عدد المتظاهرين لنحو ثلاثة ملايين متظاهر هتفوا "الله أكبر، الشنق للمدونين الملحدين".
خاتمة
إن تدافع الأحداث على هذا النحو بين محاولات القضاء على الجماعة الإسلامية وفتح ملفات مضى عليها عقود من الزمان، ومحاكمات مسيّسة تتساقط عليها الانتقادات كما الأمطار، والتضييق على الأنشطة التربوية والاجتماعية، والتغيير في الدستور لترسيخ علمنة البلاد، والهجوم على الثوابت والمقدسات الإسلامية؛ ليؤكد أن هناك صراعاً قوياً بين العلمانية والإسلام، وأن الحكومة البنجالية الحالية تشن حرباً شرسة على الدين الإسلامي والهوية الإسلامية في البلاد، ولكي تحقق نجاحاً في ذلك ينبغي توجيه ضربات قاضية إلى الجماعة الإسلامية التي كان لها – بفضل الله - الدور الأبرز في الحفاظ على هوية البلاد، ونشر الدعوة الإسلامية، وهو ما تقوم به الحكومة.



الأربعاء، 5 يونيو، 2013

نعم.. سقطت القصير ولكن

نعم.. سقطت القصير ولكن 

مجدي داود
مجدي داود


تواردت الأنباء منذ صباح اليوم عن سقوط مدينة القصير، وجاء تأكيد من بعض الأخوة الثقات لصحة الأنباء، مشيرين في الوقت ذاته إلى استمرار المعارك وسيطرة الثوار على جزء من المدينة الباسلة.
وعلى كل الأحوال، وبافتراض سقوط المدينة، فهذه ليست نهاية المعركة، فالحروب دوما سجال، يوم لك ويوم عليك، وليست هذه نهاية المطاف، فالجولات لا تزال مستمرة، والنصر قادم بإذن الملك الديان.
إن الناظر إلى التاريخ الإسلامي يجده مليئا بهذه المواقف، بدءا من غزوة أحد، وحتى يومنا هذا، ولكني سأشير إلى قصة تغيب عن أذهان الكثيرين، ألا وهي قصة التتار والمسلمين.
لقد ابتدأ القتال بين التتار والمسلمين أول ما ابتدأ، في عهد السلطان المسلم مؤسس الدولة الخوارزمية خوارزم شاه، والملك التتاري جنكيز خان، واستمر القتال سنوات وسنوات، وكانت حروبا سجال، حتى هُزم خوارزم شاه، وسبي بعض نساء بيته، وجاء من بعده ولده السلطان جلال الدين، واستمرت القتال السجال، حتى هزم وقتل بقية نساء بيته، حتى لا يقعن سبايا، وقام بتهريب ابنته وابن أخته مع أحد العمال.
استطاع جلال الدين أن يبني مملكة صغيرة، ويستعيد بها بعض ما فقده وسيطر عليه التتار، وجمع الله شمله على ابنته وابن أخته، وهزم التتار في مرات متتالية، حتى جاء أمر الله، وهزم جلال الدين هزيمة منكرة، وبيعت ابنته وابن أخته في سوق الرقيق.
وبعد عشرات السنين، من تلك الهزيمة وهذا الهوان الذي نزل بآل خوارزم شاه، حتى بيع حفيديه في سوق الرقيق كالعبيد، تولى ذلك الفتى الذي صار اسمه "قطز" أمر مصر، وقاد المسلمين في معركة عظيمة في عين جالوت، انتهت بكسر شوكة التتار، وانحسارهم في بلادهم التي جاؤوا منها أول مرة.
هكذا هي الحروب، وليست الحروب انتصارات دوما، وليست الانتصارات هي فقط الانتصار في ميدان المعركة، فقد بدأت المعركة في عهد الجدين، وانتهت في عهد الحفيدين قطز وهولاكو.
إن المسلمين لا يسعون إلى مغنم ولا مكسب، ولكنهم أولا وأخيرا يرجون رضا الله عز وجل، فكيفما كانت النتيجة، فإن الله لا يحاسب عليها، ولكنه عز وجل أمرنا بالأخذ بالأسباب والتوكل عليه، فهو يحاسب على التقصير ولا يحاسب على النتيجة.
نعم، سقطت القصير، لكن لم تسقط العزيمة ولن تسقط، لم تسقط الإرادة ولن تسقط، لم تسقط الهمة ولن تسقط، ولم تسقط الثقة في الله ولن تسقط، ولم يخلف الله وعده أبدا ولن يخلف.